الجمعة، 1 يناير 2016

نسبية القيم و حرية الأفراد أمام المجتمع و الدولة

       (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      لا يوجد مجتمع يقر تمامًا بحرية الفرد في حياته/ا الشخصية. كل مجتمع لديه قواعد محددة لحرية الأفراد في حياتهم الشخصية، و يفرضها من خلال عدد من المؤسسات أكثرها وضوحًا هو الدولة (كذراع المجتمع السياسية). حتي المجتمعات التي توصف بالفردية، و تقديس الفرد علي حساب المجتمع –المجتمعات الأوروبية- تضع حدودًا علي ممارسة الأفراد لحرياتهم الشخصية. هذه الحدود ليست "حرية الاّخر/ي" أو "عدم إيذاء الاّخر/ي" فقط، بل هي كذلك تتعلق بمفاهيم المجتمع. علي سبيل المثال، لا تقبل هذه المجتمعات بفكرة التعدد الزوجي، و لا بزواج أفراد العائلة الواحدة.
      هل هذا صواب؟ هل يفترض أن تقيد الحريات الشخصية لأسباب غير الحفاظ علي حرية الأّخر/ي و حقه/ا في عدم إيذائه/ا؟ هذا المقال يدافع عن رفض أي قيد علي الحرية إلا في حدود حماية حق الاّخر/ي في عدم إيذائه/ا. هذا المقال ضد تدخل الدولة في حياة الأفرد الشخصية ماداموا لا يؤذون غيرهم.
أولاً: نسبية القيم:         "هل هناك فعل في حياة الأفراد الشخصية صوابًا أو خطأ مطلقًا؟"
أ-نماذج علي اختلاف أنظمة النكاح و الطلاق تاريخيًا و اجتماعيًا:
       قبول فعل معين في حياة الأفراد الشخصية مسألة إطار اجتماعي و تاريخي. في مصر الفرعونية، كان زواج أفراد العائلة الواحدة، و التعدد كحق للزوج (خاصة في العائلة الملكية) أمرين مقبولين اجتماعيًا (سواءًا زواج الأخ بالأخت أو الأب بالبنت)، و لدينا نماذج كثيرة لهذين النظامين الزوجيين مثل زواج إخناتون بابنته أو زواج رمسيس الثاني بعدد مهول من النساء. كذلك يري بعض علماء المصريات أن المثلية وجدت كنظام اجتماعي، و أول مثليين في التاريخ عاشوا سويًا أمام المجتمع، وجدوا في مصر الفرعونية "حنمحوتب ونيانخم مزيني" . حتي الطلاق –الذي لم يكن محببًا- وجد في مصر الفرعونية كنظام لإنهاء الزواج.
       في غضون العصور الإسلامية، تغير نظام المجتمع عدة مرات. في بعض العصور، كان هناك تقبل للمثلية، و نظم قريبة من البغاء كجزء من النساق الاجتماعي، لكن في عصور أخري رفض تمامًا تقبل هاذين النظامين.
       في حقب تاريخية مختلفة، كان هناك تقبل من بعض القبائل في أسيا، و أفريقيا، و أمريكا اللاتينية لفكرة زواج المرأة بأكثر من رجل. و حتي الاّن في إقليم التبت، و في بعض القبائل الهندية يستمر هذا الشكل من أشكال الزواج.  
       في أوروبا، خلال القرون الوسطي، و حتي أواخر القرن العشرين، كان ينظر للمثلية علي أنها خطيئة. و للغرابة، في ذلك الوقت، كانت بعض المجتمعات الإسلامية في بعض العصور (العصر العباسي) أكثر تقبلاً للمثلية. في أواخر القرن العشرين، حدث تحول في أوروبا لتقبل المثلية، بينما ازدادت كراهية، و رفض المجتمعات العربية للمثلية.
      حتي الطلاق (انحلال عقد الزواج) تقبل المجتمعات المحتلفة له عبر العصور تغير. المجتمع العربي في العصور الوسطي (قبل الإسلام و بعده) كان متقبلاً لفكرة الطلاق-حتي و إن كانت مبغوضة- بينما كانت المجتمعات الأسيوية، و الأوروبية ترفضه رفضًا شديدًا في ذات الإطار التاريخي، و حتي القرن العشرين.
      يمكن الجدال بأن هذا الاختلاف مرتبط بالمجتمعات و العصور التاريخية، و لكنه لا مكان له في الأديان، فالأديان تضع معايير متشددة للعلاقات الجنسية، و لا تسمح بالخروج عنها باختلاف الأزمان. لكن هذا الجدال ليس صحيحًا بشكل مطلق. فالأديان الإبراهيمية كلها تقر بزواج أبناء و بنات اّدم –عليه السلام- و حواء، لكنها جميعًا (و في كل مذاهبها) ترفض زواج الإخوة و الأخوات، و تعتبره خطيئة "زنا محارم".  و رغم أن الإسلام سمح تاريخيًا بنظام ملك اليمين إلا أن شيوخ الأزهر في القرن الحادي و العشرين رفضوا عودة هذا النظام، و اعتبروه زنا.  و رغم أن المسيحية تاريخيًا رفضت المثلية إلا أن بعض الكنائس البروتستانتية في أواخر القرن العشرين، و أوائل القرن الحادي و العشرين، بدأت تأخذ منحني قبول للمثلية.
ب-نماذج علي اختلاف مفاهيم المجتمعات تاريخيًا و اجتماعيًا لعري و الحجاب و تقبلهما في الأماكن العامة:
       المجتمع المصري هو نموذج يسهل الوصف عليه عند التحدث عن تغير مفهوم العري، و تقبله اجتماعيًا. المجتمع المصري كان يقبل خلال الستينات و السبعينات درجة من درجات العري مثل ارتداء التنوارات متناهية القصر في الشارع، لكنه تغير تدريجيًا لفرض قدر من الحشمة ثم الحجاب في الثمانينيات و التسعينات و مطلع القرن الحادي و العشرين.
        المجتمع الياباني نموذج أكثر جذبًا للإنتباه. في كتاب "اليابان في عيون مصرية" قال الكاتب أن المجتمع الياباني، لم يرفض العري تاريخيًا إلا عندما صدرت إليه أفكار أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر. و تحدث الكاتب عن الحمام الياباني الذي ينزل فيه الرجال و النساء معًا في عري كامل (رغم أنه ليس مكانًا جنسيًا).
        حتي تعريف العري اختلف علي مر العصور، و يختلف بين مختلف المجتمعات. ففي بعض المجتمعات الأفريقية، يعتبر عري الثدي شيئًا مقبولاً اجتماعيًا، بينما هو ليس كذلك في الدول العربية أو الأوروبية. و بينما يعتبر عري قدر من الساق مقبولاً في المجتمعات الأوروبية، فهو ليس بذات درجة التقبل في المجتمعات الأفريقية التي تقبل كشف الثدي. و في مصر الفروعونية، كان عري الثدي مقبولاً في المجتمع، لكنه بالطبع رفض تمامًا في مصر بدءًا من العصور الرومانية.
       أما عن الحجاب، و تقبله أو رفضه اجتماعيًا، فأقرب نموذج لذلك هو تجريم فرنسا لارتداء المرأة للنقاب. تركيا، و تونس كذلك كانتا تضعان قيودًا علي حرية النساء في ارتداء الحجاب. ففي تركيا، لم يكن يسمح للمحجبات بدخول حرم الجامعة، و في تونس كان يفرض علي المرأة، خلع الحجاب عند دخلوها لمشفي حكومي. هذا بالطبع مختلف تمامًا عن الوضع في دول عربية و أسيوية، و أفريقية بل و أوروبية أخري، حيث يعتبر الحجاب و النقاب أمرًا مقبولاً قانونًا، و لا يرفضه المجتمع بشكل عام.
ج- هل يعني اختلاف القيم في مجتمعات و حقب تاريخية مختلفة عدم وجود صواب أو خطأ؟
       يصعب الجزم. ربما توجد أفعال و أفكار مختلفة، لكن هذا لا يعني أن كلها صواب أو خطأ أو أن بعضها صواب، و بعضها خطأ. قد تكون جميعًا خطأ أو صوابًا أو قد يكون بعضها صوابًا و بعضها خطأ. لكن الفكرة أنه يصعب إيجاد أرضية محددة يحكم من خلالها علي بعض الأفعال علي أنها خطأ، و بعضها علي أنها صواب بدون أن يكون ذلك الحكم منحازًا من جانبنا طبقًا للإطار الاجتماعي و التاريخي الذي نشأنا فيه.
ثانيًا: المجتمع، حرية الأفراد، و دور الدولة:
        ولأنه يصعب –بل ربما يستحيل- إيجاد حكم غير منحاز بصواب أو خطأ فعل معين مرتبط بالحياة الشخصية خارج إطاره التاريخي و الاجتماعي، فإنه شبه يستحيل الحكم بأن هناك فعل متعلق بالحياة الشخصية صواب أو خطأ مطلقًا. سيكون دائمًا لدي كل فرد، و كل مجتمع تصور لما هو صواب، و ما هو خطأ في الحياة الشخصية، لكن هذا التصور لا يمكن تعميمه –بل لا أساس قوي- لتعميمه علي الجميع.
        المجتمع كيان ديكتاتوري، يريد أن يفرض علي الأفراد مفهومًا واحدًا للصواب و الخطأ هو مفهوم الأغلبية، و يريد للجميع الالتزام به، و يفرض هذا النموذج عن طريق رفض المختلفين عن هذا النموذج، و إقصائهم، و الترويج ضدهم بمؤسسات مثل التعليم و الإعلام، و أخيرًا بقهرهم باستعمال سلطة الدولة كالطرف الوحيد الذي يحتكر استخدام القوة في المجتمع. المجتمع يدعي أن تصرف الأفراد في حياتهم الشخصية يهدد أمنه. هذه مجرد حجة يختلقها المجتمع لإيجاد تبرير لجرائمه ضد حرية الأفراد، و الأبشع ضد حقوق الأفراد كبشر. المجتمع عندما ينقض علي الأفراد لاختلافهم عن الأغلبية، لا يمنعهم في الحقيقة من فعل الأفعال التي تراها الأغلبية خطأ؛ فالأفراد غالبًا يفعلونها في الظلام. كل ما يفعله المجتمع، هو إجبار الأفراد المختلفين عن الأغلبية علي العيش في الظلام، و النبذ، و العذاب الداخلي. و عندما يفضح الأفراد المختلفون يكون مصيرهم التعذيب بأسواط المجتمع المختلفة –طبقًا لنوع اختلافهم- سواءًا بسوط الإبعاد، و النبذ، و الإقصاء، و انتهاك الحقوق أو بسوط الدولة مثل منعهم من الحقوق القانونية أو اعتبارهم مجرمين يستحقون الغرامة أو السجن أو التعذيب أو الإعدام.
       الدولة هنا مجرد أحد أسلحة المجتمع ضد الأفراد الذين لا يتناسب ما يفعلونه في حياتهم الشخصية مع معايير المجتمع في لحظة زمنية محددة لما هو صواب و ما هو خطأ. و ربما لو عاشوا في مجتمع اّخر أو حتي نفس المجتمع في وقت مختلف، لكانوا هم الأغلبية، و الأغلبية هي الأقلية التي يضطهدونها.
          عدم تدخل الدولة في حياة الأفراد الشخصية هو الذي يضمن قدرًا من الحرية، و العدالة للأفراد أمام المجتمع الذي يخضع لجبروت فكر الأغلبية. أجل، الأفضل أن يترك كل فرد ليقرر/ تقرر ما يريده/ تريده في حياته/ا الشخصية، و ألا تعطي الدولة امتيازات لمن تتفق طريقة حياتهم مع فكر المجتمع علي غيرهم (و بالطبع ألا تتضطهد من يختلفون في حياتهم الشخصية عن معايير الصواب و الخطأ التي تضعها الأغلبية). لا يجب أن تقف الدولة أمام أي حرية شخصية إلا في حالة الاعتداء، و الفرض مثل الاغتصاب أو التحرش أو زواج أو دعارة القصر. و  السبب في رفض زواج و دعارة القصر أن القصر لا يملكون إرادتهم و وعيهم بل يفرض عليهم قرار اّخرين، و لأنه يمكن لهم الانتظار حتي إتمام السن القانونية، بمعني اّخر حقهم لا يسلب، لكنه يؤجل.
        هذا ضمان حتي لا يعاني، و يضطهد الأفراد لاختلافهم عن الأغلبية، والأغلبية لا تمتلك احتكار الحقيقة المطلقة. حتي إن كانت الأغلبية تملك في يدها الدين، فالدين نفسه لا يجب أن يفرض علي الجميع؛ لأنه ليس الجميع يؤمن به. هذا ضمان لقدر من العدالة، و الإنصاف للأفراد أمام الأغلبية، للضعيف أمام الأقوي.


        

السبت، 12 ديسمبر 2015

إلم ندافع الاّن فلأشرف أن نعتزل الكتابة إلي الأبد.

   (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

    منذ فترة طويلة ابتعدت عن قلمي. قرار واعٍ، نابع من أسباب عميقة و تراكمات ألم. أردت الابتعاد حتي أخفف عن نفسي الضغط، و الألم. أردت أن أرحم نفسي التي عذبتها معي في قتالي، نفسي التي تستحق مني الرحمة، نفسي التي عندما تنفجر، و تنتقم، تعرف كيف ترديني أرضًا. أردت ألا أظلمها أكثر، قابتعدت.

    ابتعدت كذلك؛ لأنني أردت أن أتغير، و أغير أسلوب كتابتي. ابتعدت؛ لأنني عدت أشعر أننا صحنا كثيرًا، و قلنا كل ما يمكن أن يقال، و لا تؤثر كلماتنا الاّن. لا أحد يريد أن يسمع/تسمع.

       و ابتعدت؛ لأنني تعبت، تعبت بعمق.

      لكنني الاّن يجب أن أكتب، إلم أكتب الاّن، فسأكون قد خنت أهم مباديء قلمي. إلم أكتب الأّن، فربما من الشرف أن أعتزل الكتابة للأبد. إلم أدافع عن حرية القلم، فلا يحق لي حمله. شرف القلم حريته، و إلم أدافع عن حريته، سأتنازل عن شرفه، و إن تنازلت عن شرفه، لا أملك شيئًا من شرف حمله.

       ما يحدث الاّن مع أحمد ناجي تهديد لكل قلم. كل كاتب/ة يصمت/تصمت عما يحدث مع أحمد ناجي مهدد/ة أن يأتي يوم، و يقصف قلمه/ا، مهدد/ة أن يلقي/تلقي السجن  عقوبة لكلمة حررها قلمه/ا. أحمد ناجي مهدد بالسجن (هو و طارق طاهر رئيس تحرير مجلة الأدب) لنشره فصلاً من روايته  بمجلة الأدب. لم يعجب الفصل أحد القراء، فبكل بساطة قدم بلاغًا ضد أحمد ناجي و لقي بلاغه إهتمامًا أمنيًا، و اليوم كانت محاكمة أحمد ناجي و طارق طاهر بتهمة "خدش الحياء العام"، و يوم 2 يناير الحكم في القضية.

        تهمة "خدش الحياء العام" تهمة مطاطة؛ لأن "الحياء العام" مفهوم مطاط و نسبي. يمكن بكل بساطة أن يعتقل أي كاتب/ة بهذه التهمة، و يجد نفسه/ا في السجن بسبب عمل أدبي حر. لا يمكن لأديب/ة أن يظن/تظن نفسه/ا محصن/ة من هذه التهمة بحجة إلتزامه/ا ب"الأخلاقيات العامة"، ف"الأخلاقيات العامة" أيضًا مفهوم مطاط و نسبي، و يمكن لأحد القراء رؤية عمل أي كاتب/ة كعمل فاجر أو خادش للحياء أو داعٍ للفتنة، و بموجب تهمة "خدش الحياء العام"، يمكن أن يجد أي كاتب/ة نفسه/ا في السجن، لأنه/ا لم يرضِ/ترضِ ذوق أحد القراء. هذا تهديد عنيف لحرية القلم. هذه جلدة تهدف لارتعاش الأقلام. كل كاتب/ة قد يخاف/تخاف انتقاد الأفكار الدينية أو الاجتماعية بشكل مباشر، و صريح خشية الملاحقة القضائية.

        إن صمتنا الاّن عما يحدث مع أحمد ناجي، فسنخاف جميعًا غدًأ الكلمة حتي المتخيلة، و الأشرف لنا أن نعتزل الاّن عن رؤية ذلك اليوم.

           الكتابة جزء عميق مني، مهما طال بعدي عنه، سأعود إليه ذات يوم. مهما طال بعدي عن قلمي أعود. و لن أسمح لنفسي أن أخسر احترامي أمام نفسي، أو صدقي مع قلمي. و الأشرف، و الأصدق مع قلمي إن صمت علي قهر حريته أن أتركه. و ما دمت أتمسك بقلمي كجزء من روحي، و مادمت أتمسك بشرفه، فلن أصمت.عن حريته. لن أصمت عن حق كل كاتب/ة في التعبير عن رأيته/ا، و لا في تحدي المجتمع بنقد الواقع أو بالخيال.

          لأجل شرف القلم، أدافع عن أحمد ناجي. لأجل شرف القلم يجب أن نقاتل حتي النهاية دفاعًا عن حرية القلم أو لنحترمه و نتركه للأبد.

           أحب القلم،
           اخترت القتال.

http://albedaiah.com/news/2015/10/31/99467

السبت، 15 أغسطس 2015

بالأمس كانت ذكري خيانتنا -متي نكسر الدائرة؟

(هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      منذ ما يزيد عن عامين، كتبت هذا المقال وقت فض ميداني رابعة و النهضة تحت عنوان "الاّن ثبتت خيانتنا":

"       الاّن ثبتت خيانتنا. الاّن أثبتنا أننا خنا القيم التي قاتلنا لأجلها ، و قبلنا الضرب بها عرض الحائط لأجل التخلص من ما تبقي من صداع الإخوان. الاّن لا تعنينا حرية ، و لا عدالة ، و لا ديمقراطية ، و لا حتي إنسانية ، لا نأبه لأي منهم ،لا نهتم.
     نري فض الاعتصام أمام أعيننا علي الشاشات داخل بيوتنا فنبرره بل و نصفق له بكل حرارة. لا نتذكر أبدًا أننا كنا منذ أقل من شهرين مستعدين لقلب وطننا رأسًَا علي عقب إن هوجمت مظاهرة أو اعتصام واحد لنا ضد نظام مرسي .نسينا بل تناسينا بسرعة كل ما وقفنا ضده بصلابة،تغاضينا بسهولة عن ما فتحنا صدورنا للنيران لأجله.
     كاذبون. نحن الكاذبون.
     مجددًا أطرح السؤال ، هل كنا سنقبل بفض اعتصامنا ضد مرسي أو المجلس العسكري أو مبارك من قبل ؟ هل كنا سنتعاطف مع الفض و نعتبره قانوني؟ لماذا لم نعتبر الاعتصام لأشهر في التحرير ضد المجلس العسكري ثم مرسي جريمة أو وقف لحال سكان عقارات التحرير ؟
     هل نقول الاّن أننا مختلفون ؟ هل نقول أنهم إرهابيون يحملون السلاح و نحن سلميون حقًا ؟
    إن كنا نقول ذلك فلنتذكر ماذا كان يقال عنا من قبل .
   ألم يقل نظام مبارك أن الثوار أصحاب أجندات خاصة و أجنبية أي خونة ؟
  ألم يقل المجلس العسكري "خونة" بتدريب خارجي علي معارضيه ؟   
ألم يقل إخوان مرسي علي كل من ضدهم فلول و منحلون كفرة ؟      
الأّن يقال علي أنصار مرسي إرهابيون.
   كل نظامٍ لديه تهمة للمعارضين تبرر له القمع، بدونها سيعري عن حقيقته ، سيكشف الستر عن الوجه القبيح ، عن عمامة السلطان الجائر ، عن اليدين الملطختين بالدم.
     لا أعلم إن كان هناك سلاح في يد المتظاهرين فعلاً أم لا مع أن معي شهادة أحد أقربائي داخل رابعة العدوية برؤيته للسلاح بعينيه. لا أعرف إن كان السلاح ملك أغلب المتظاهرين أم عناصر بينهم. لكني أعرف أن هذا يلزم بإلقاء القبض علي المسلحين و التصدي لهم إن لزم الأمر بالسلاح، لكنه لا يبيح أبدًا قتل المدنيين العزل الذين يدافعون عن أرائهم و أفكارهم أيًا كانت. في 25 يناير ، و المظاهرات ضد المجلس العسكري ثم المظاهرات ضد مرسي ، في كل الأوقات كانت هناك شبهة عناصر مسلحة بين المتظاهرين لكن ذلك لم يكن شفيعًا لدينا ضد ما تعرض له المتظاهرون السلميون ، فسيكون ازدوجًا أن يشفع الاّن.
        أقولها ثانية ، لنكن صادقين قليلاً مع أنفسنا و نقف ضد ما يحدث الاّن كما وقفنا ضد ما شابهه في الماضي ، حتي لا نكون كاذبين ، حتي لا نحمل دم أحد ، حتي لا تدور علينا الدائرة ثانية ذات يوم و نجد التهم توجه إلينا ، نجد غيرنا يصفق و دماؤنا تسيل،تضيع وسط صوت التصفيق."

         لم أنشر ذلك المقال حينها، لكن تأكد لي كل يوم أنني كنت محقة. كل يوم حمل لي إيمانًا يقينيًا أن كل ما مررنا به من قمع هو ثمن لحظة خيانة مبادئنا، و قبولنا بالظلم، و القمع لمن نراه خطأ. تلك اللحظة، كانت لحظة حاسمة؛ لأنها حملت إشارة لشكل مصر ما بعد فض ميداني رابعة و النهضة، ليست مصر الظلم، و القمع فقط، لكن مصر الفاشية، مصر التي يقبل كل فرد فيها إضطهاد الاّخر/ي، بل يصفق، و يطبل له، مصر التي تدهس فيها كل أقلية؛ لأن الأغلبية تراها خطأ.

         اليسار دفع ثمن خيانته لمبادئه، و الغالبية الكاسحة من نشطائه يقبعون خلف القضبان الاّن. اليسار دفع ثمن أنه في لحظة وافق أن يبيع إيمانه بالحرية، و العدالة للتخلص من اّخر يرفضه، و يريد الانتقام منه. و كل أقلية في مصر وجدت نفسها تدفع ثمن كونها أقلية، و ربما كذلك ثمن قبول الكثيرين فيها باضطهاد الاّخر/ي. الإخوان دفعوا ثمن ما فعلوه قبل و أثناء بقائهم في السلطة، و عانوا الظلم و القمع، و القتل،  القانوني و غير القانوني، و بدأ كثيرون منهم يؤمن بالحل العنيف. الملحدون و مختلفي الميول الجنسية و الجندرية بدأت حملة قاسية ضدهم، بل أقسي من أس حملة حدثت في عصر ميارك أو مرسي. جميع الثوريين الحقيقيين بغض النظر عن توجههم السياسي لقوا حتفهم أو أعتقلوا أو هربوا خارج مصر أو اضطروا لقبول الأمر الواقع القمعي و تغيير أسلوبهم أو أحبطوا و اّمنوا ألا أمل من قضية التغيير في مصر.

          كل ظلم خلفه لحظة تنازل عن المباديء، لحظة يقبل فيها بظلم الاّخر/ي، و سلبه/ا لحقه/ا. الظلم دائرة، و نحن ندفع ثمن دعمنا للظلم. كما قبلنا بظلم الاّخر، يقبل غيرنا ظلمنا. لن نحيا في وطن عدل أو حرية أو أمان بصدق حتي يكسر أحد الدائرة، حتي يرفض أحد الظلم للاّخر/ي مهما راّه خطأ.

          لن نتحرر حتي نكسر الدائرة.
      
            

الأحد، 17 مايو 2015

اخلع/ي قناعك-اليوم العالمي ضد رهاب المثلية

       (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      الخوف من الاّخر/ي دائمًا خلفه درجات مختلفة من الجهل. مجتمعنا يجبرنا أن نرتدي أقنعة تحجب وجوهنا الحقيقية عن بعضنا البعض، لنظل جميعًا مناسبين للصورة الواحدة المفروضة التي نرسمها علي القناع. و أحيانًا يصل قمع المجتمع إلي ضغطنا لنرتدي هذه الأقنعة أمام المراّة، لنخادع أنفسنا و نجعلها تؤمن أن صورتنا الحقيقية هي الصورة المرسومة علي القناع، الصورة التي يريدها المجتمع.  تظل حقيقتنا سجينة خلف القناع، لذلك يصعب أن نعرف بعضنا، أن نعرف صورتنا الحقيقية.
         أغلب أزمات اضطهاد الأقليات سببها الجهل بحقيقتها. الأقليات تنغلق في مجتمعات صغيرة و ترتدي أمام المجتمع الكبير أقنعة، بل أحيانًا تطمس حقيقتها و تدعي أنها جزء من الأغلبية (وهذا يحدث مع الأقليات الجنسية و الجندرية بالذات). هذا يسهل علي المجتمع الكبير اضطهادها، بل و أحيانًا إنكار وجودها. الخوف خلفه الجهل بالأقلية و التفكير فيها كعدو خطير يهدد الأغلبية لا كبشر من لحم و دم نقابلهم كل يوم، و ربما جزء منا يشابهم.
           الأقليات الجنسية و الجندرية في العالم العربي تعيش في الغالبية الكاسحة من الحالات في الظلام، تجبر علي ارتداء أقنعة كاذبة أمام المجتمع و أحيانًا أمام مراّتها. أحيانًا يعاني المثليون و المثليات من خوف من أنفسهم هو انعكاس لخوف المجتمع منهم. المجتمع يراهم خطرًا يهدد أمنه، يراهم أقلية صغيرة تختار الفسوق و تهدد بنيانه. الأفراد يظنونهم بالضرورة متحرشين و منحرفين. لا أحد يتخيل/تتخيل أن علي الأقل واحد/ة من كل عشرة يعرفهم/تعرفهم مثلي/ة أو مزدوج الميل الجنسي أو مضطرب/ة الهوية الجندرية.
            ما يعمق الخوف أنه نادرًا ما يواجه/ تواجه مثلي/ة أو مزدوج الميل الجنسي أو مضطرب/ة الهوية الجندرية المجتمع. نادرًا ما يمنح الأفراد فرصة معرفة إنسان/ة من لحم و دم من الأقلية التي يظنونها بعيدة و منحرفة و شاذة و متحرشة. نادرًا ما يمنح الأفراد فرصة الشعور بمعاناة مختلفي الميول الجنسية و الجندرية و حقيقة أوضاعهم و اّلامهم. نادرًا ما يمنح الأفراد فرصة التواصل الإنساني مع المختلف/ة.
             أعلم أن هذا صعب، و لا يناسب الجميع، لكن الحل الحقيقي أن يظهر مختلفي الميول الجنسية و الجندرية و يواجهوا المجتمع و يعرفوا من حولهم أنفسهم كبشر لا كمجرد فكرة يحتقرونها. الحل أن نبدأ حوارًا حقيقيًا مع من حولنا حول إنسانية مختلفي الميول الجنسية و الجندرية. المواجهة صعبة، لكن المواجهة بإنسانيتنا هي الخيار الوحيد ليعرفنا المجتمع كبشر، و فقط عندما يعرفنا كبشر سيمكن أن يتخطي كثيرًا من خوفه منا.


الجمعة، 1 مايو 2015

فتح الجيتوهات

      (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      عاش اليهود في المجتمعات الأوروبية طويلاً في مجتمعات صغيرة مغلقة تسمي "الجيتو". هذه المجتمعات أغلقت تمامًا عليهم، و عيشتهم أغلبها بقت ضمن هذه المجتمعات المغلقة الصغيرة. و رغم اضطهادهم داخل تلك المجتمعات إلا أنه سمح لهم بالعمل في إقراض النقود بالربا، و قد حلل د.عبد الواهاب المسيري ذلك بأن المجتمعات الأوروبية في تلك الفترة احتاجت "جماعة وظيفية" (كما أسماها د. عبدد الوهاب المسيري) تقوم بأداء العمل الضروري المرفوض اجتماعيًا لكن تظل منبوذة اجتماعيًا.
           تجربة الجيتو اليهودي ليست تجربة شديدة التفرد بل هي تجربة نشأت في مجتمعات كثيرة في أوقات متعددة اضطهدت فيها الأقليات و تم نبذها، فأنشأت مجتمعات صغيرة تعيش فيها بمعزل عن الأغلبية، و في بعض الأحيان تتعقد المجتمعات بحيث يصير الأفراد قادرين علي أن يكونوا جزءًا من أقلية (أو مجموعة مضطهدة) و أغلبية في نفس الوقت، مثل المسلم الإخواني؛ فهو ضمن الأغلبية المسلمة لكنه ضمن الأأقلية الإخوانية  أو اللادينية الثرية، فهي ضمن الأاقلية لكونها لادينية، لكنها ليست ضمن المجموعة المضطهدة (الفقراء)؛ لأنها ثرية. في مثل هذه الحالات يضطر الفرد لأن  يتواجد/تتواجد داخل المجتمع و يلعب/تلعب دورًا وسط الأقلية و وسط الأغلبية، بل ربما يتواجد/تتواجد ضمن عدة جيتوهات في نفس الوقت.
           لنأخذ نموذج مسيحي بروتستنتي متشكك، من عائلة ثرية، يعمل في شركة والده، متعلم و يساري معارض للنظام. هو يلعب دورًا داخل جيتو المسيحيين البروتستنت و يذهب إلي الكنيسة و يحضر الاجتماعات و مدارس أحد و يشارك في تنظيم الحفلات و الرحلات. يلعب دور المتشكك في جيتو المتشككين و اللادينيين و الملحدين و يجتمع بأصدقائه من هذا الجيتو و يتحدثون و يستمع إليهم حتي يكون رأيه النهائي تجاه الدين. يلعب دور معارض النظام و يجتمع بأصدقائه المعارضين علي مقاهي وسط البلد و في مقرات الحركات الثورية و ينزل معهم المظاهرات و أحيانًا يسافرون أو يخرجون معًا كمجموعة أصدقاء. و في محيط عائلته الثرية يجبر أحيانًا علي التعامل مع أصدقاء عائلته من جيتو الأثرياء (مع أنهم ليسوا مجموعة مضطهدة إلا أنهم يعيشون في جيتو).
           عيشة هذا الشخص ليست غريبة تمامًا؛ كثيرون في المجتمعات يعيشون عيشة يبدلون أدوارهم فيها بين أفراد في جيتوهات مختلفة.  لكن الأبشع أن هؤلاء الأفراد يصعب أن يلتقوا بل يخافون الإلتقاء. لنتخيل إخواني يعيش في جيتو الإخوان أو مثلي من عائلة صعيدية يعيش في جيتو المثليين (عيشة ظلامية) و جزء من جيتو الصعايدة . صعب أن نجعل إخوانية تتعامل مع يساري أو مثلية مع غيري (و المثلية لا تخفي هويتها) أو مسلمة متشددة  مع ملحدة أو ضرير مع مبصرين. الجيتوهات مغلقة إلي حدٍ بعيد و لا يسمح لأحد بالاقتراب منها، و هذا يعمق غياب الفهم و الكراهية بينها.
           الأزمة الحقيقية تكمن في الخوف و الكراهية و الجهل. الأقليات تخاف التعامل مع بعضها. الأفراد يخافون التعامل مع مختلفين عنهم، يخافون اضطهادهم و رفضهم. تخاف الملحدة أن تتعامل مع منقبة؛ لأنها تظنها سترفضها و ستراها مستحقة لحد الردة (رغم أن المنتقبة ليست بالضرورة متشددة أو مقتنعة بحد الردة). يخاف المسلم المتشدد التعامل مع مسيحي متشدد؛ لأنه قد يراه مهددًا لإيمانه. تخاف المثلية إعلان مثليتها لغيري؛ لأنها تخاف أن يحتقرها أو يظنها عاهرة أو يقول لها أنها تستحق النار.  الجهل بالاّخر/ي يسهل الخوف منه/ا، و الخوف و الجهل يصنعان كراهية الاّخر، و ما يغذي هذه الكراهية و الخوف هما الجهل، و ما يسمح باستمرار الجهل هو عدم التعامل مع الاّخر/ى، هو الانغلاق في جيتوهات.
             منذ ما يزيد عن عامين كتبت مقالاً تحت عنوان "لن أحيا في جيتو"، قلت فيه أنني لن أخاف و أعيش حريتي في مجتمعي الصغير (الجيتو) بل سأواجه المجتمع الكبير و سأعيش كما أنا، و أرتدي ما أريد في الشارع و لم أكن أعلم حينها إلي أين سأصل في عدم خوفي  و مواجهتي للمجتمع  الكبير. و لم أكن أعي حينها عمق ما قد يوصل إليه انقسام المجتمع إلي جيتوهات متباعدة غريبة لا تعرف بعضها و تكره بعضها. لم أكن أعي حينها أن ذلك طريق نهايته الدماء، بل و الفرح في دماء الأّخر/ي.

           و أعرف الاّن أن جزءًا من الحل يكمن في فتح الجيتوهات. أعلم الاّن أو جزءًا من الحل هو جعل أفراد هذه المجتمعات الصغيرة يتشجعون و يعرفون أفراد المجتمعات الأخري، لكني أعلم جيدًا أن ذلك يحتاج شجاعة نادرة. اخترت أن أنفتح علي كل المجتمعات و تقريبًا لدي أصدقاء أو أقارب في الغالبية الكاسحة من هذه الجيتوهات، و أدخلها و أحاول أن أجعل أفرادها يعرفون بعضهم. أريد أن يفعل الكثيرون ذلك. أري ذلك حلاً, لكني أدرك كم يحتاج ذلك شجاعة لا يمتلكها الكثيرون، لكن استمرار انغلاق الجيتوهات قد يعنس استمرار الجهل بالاّخر/ي، الخوف و الكراهية و بالتبعية الدماء و الرقص علي الدماء.

الاثنين، 20 أبريل 2015

لماذا مقاطعة إسرائيل؟

(هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

  اليوم المؤتمر الصحفي لحركة BDS لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية و الشركات الداعمة لإسرائيل.

   عندما كنت في الصف السادس الإبتدائي، تحدثت معلمتي عن مقاطعة أمريكا أثناء حرب العراق قبلها بعامين. في تلك اللحظة، فكرت لأول مرة في المقاطعة، و خلال عامين دربت نفسي لعلي الابتعاد عن المنتجات الأمريكية، و في الصف الثاني أو الثالث الإعدادي (لا أذكر بالضبط) نفذت قراري و بدأت المقاطعة فعليًا.

     جاءتني لحظات، رغبت فيها شيئًا أو كدت أضعف (خاصة عندما أحتاج مياهًا و لا أجد سوي مياه تتبع شركات أمريكية أو أوروبية داعمة لإسرائيل، لكنني في تلك اللحظات ذكرت نفسي بأنني لأجل لذة بسيطة أو عطش، أدفع أموالي و أتسبب في دماء إنسان/ة. و في خلال ست أو سبع سنوات، لم أخرج عن المقاطعة سوي ثلاث مرات في ظروف بعينها.

       استمراري علي المقاطعة نابع من كوني إنسانة، لا عربية أو مسلمة أو ذات ميول يسارية. لا أريد أن أحمل دم أحد. لا أريد أن أشارك في إسالة دماء أحد.

        ضرورة المقاطعة تكمن في كون أحد أهم أسباب قوة إسرائيل سياسيًا هو رؤوس الأموال الداعمة لها، و ما تمارسه من ضغط علي السياسيين في أمريكا عن طريق تمويل الحملات الانتخابية. إدراك رؤوس الاموال الداعمة لإسرائيل أنهم يخسرون من دعمها، سيجعلهم غالبًا يتراجعون ، خاصة إن شعروا بأن المقاطعة تمثل خسائر اقتصادية حقيقية لهم. و نحن نستطيع أن نحقق هذا التأثير؛ بسبب ضخامة الاستهلاك العربي و بالتالي عمق تأثير انخفاضه.

        مسار الحل السلمي أهم أركانه التظاهر السلمي و العصيان المدني، لكن ما ربما يزيد عليهم أهمية في الحالة الفلسطينية هو المقاطعة. في الحالة الفلسطينية بالذات، خيار التركيع الاقتصادي لإسرائيل و الداعمين لها بالمقاطعة أهم كثيرًا؛ لأن قوة إسرائيل السياسية و تأثيرها علي السياسية الأمريكية عماده اقتصادي بالأساس.
     
         أنا أرفض خيار المقاومة المسلحة في القضية الفلسطينية و كتبت أسبابي في مقال من قبلن لكن بغض النظر عن دعم أو رفض الخيار السلمي، كافة الراغبين و الفاعلين في المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني يجب عليهم دعم المقاطعة بل و الاشتراك فيها. حتي و إن رأي أحد أن خيار المقامة المسلحة هو الخيار الصواب، فهذا لا يعني أنه ينكر أن أحد أهم أساليب تركيع عدوك هو خنقه اقتصاديًا.

          أيًا كان موقفك من الطريقة الأكثر فاعلية لمقاومة إسرائيل، فعليك أن تقاطع. بل حتي إلم تكن القضية الفلسطينية ذات أولية لك، فعلي الأقل، لا تشارك/ي في قتل أحد بأموالك.  لا تدعم/ي جريمة إسرائيل.

           الفيلسوف الأمريكي ثورو دعي لعدم دفع الضرائب للحكوم الأمريكية أثناء الحرب الأهلية، و قال حينها أن واجب الفرد ليس مقاومة كل ظلم يقع في العالم، لكن واجبه ألا يدعمه. ثورو رأي أننا إن توقفنا عن دعم الظلم، هذا سيكفي ليسقط حتي إلم نقاومه.

           لا تحمل/ي دماء أحد
            قاطع/ي



        

الجمعة، 17 أبريل 2015

أغلبنا أقلية

(هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

(ملحوظة:   
           Intersectionality (
نظرية باتريكا هيل كولنز و شرحها علي يد دكتور علم الاجتماع/ مايكل راين عن كون الأفراد يحتلون أماكن مختلفة في المنظومات الاجتماعية هي ما قاد تفكيري لكون  الأغلبية أقلية)  
      كثيرون قالوا لي أن أهرب و أترك هذا المجتمع الذي لا يقبل اختلافي عنه. لم يعرفوا حينها أنهم يجرحونني،  لم يخطر لهم أن كلامهم يمكن أن يعني لي أنني أطرد من هذا الوطن؛ لأنني مختلفة و لا يقبلني، و ألا مكان لأمثالي فيه. لم يدركوا أنهم يجرحونني بتجريدي من حقي أن أحيا كما أنا في وطني ككل مواطنيه.
       و الأعمق أنهم لم يعرفوا أن هذا المجتمع أغلبه أقليات علي كل شكل من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار تريد الهرب إلي مجتمع اّخر يقبلها. صعب أن نجد فردًا في هذا المجتمع لا ينتمي/تنتمي إلي أقلية أو مجموعة مضطهدة. صعب أن نجد النموذج الكامل لفرد من الأغلبية تمامًا؛ ذكرًا يتميز بلعب دور الرجل اجتماعيًا جيدًا، مصريًا (غير مزدوج الجنسية)، غنيًا، مسلمًا، من القاهرة، غيريًا، والداه لم يطلقا (لم يترب مع طرف واحد) و من جنسية و دين واحدين، متزوجًا من مسلمة، موالٍ للنظام، بشرته أقرب للبياض، ليس من أصول نوبية أو سيناوية، لا يعاني من إعاقة، تعلم تعليمًا عال المستوي، يتقن الإنجليزية، من خلفية اجتماعية مرموقة. هذا الفرد و من مثله (و هم الأقلية العددية) فقط هم من لا ينتمون إلي أقلية أو مجموعة مضطهدة أما غالبية الأفراد (عدديًا) في المجتمع يعانون من كونهم جزءًا من أقلية أو مجموعة مضطهدة أو أكثر. الشائع أكثر  هو وجود أفراد بعيدين عن النموذج الكامل. الشائع وجود غنية متعلمة تعليمًا جيدًا، من وسط اجتماعي راقٍ لكنها أنثي و مسيحية،  أو فقير و مثلي لكنه ذكر و لا يعاني عجزًا جسديًا و من القاهرة، أو نوبي و فقير لكنه مسلم و ذكر أو مسلمة و غنية و متعلمة تعليمًا جيدًا لكنها معاقة و أمها مطلقة و تريد الارتباط بمسيحي أو متوسط المستوي الاجتماعي متعلم و غير معاق، و مسلم لكنه إخواني و من أسيوط أو قاهرية غنية و غير عاجزة و متعلمة و والداها متزوجين و مسلمين و بيضاء و غيرية  لكنها أنثي و ملحدة  أو متعلمة و غنية و مسلمة و موالية للنظام و لا تعاني عجزًا و إسكندرانية لكنها امرأة في جسد ذكر (ترانس) و المجتمع يفرض عليها أن تكون رجلاً أو متعلمة و مسلبمة و غيرية و غير عاجزة و مسلمة و من مستوي اجتماعي مرتفع لكنها أنثي و ترتدي نقابًا.
          المجتمع أغلبية أفراده العددية أقليات لكنه  ينكر ذلك و يعاملهم كأنهم مجموعة صغيرة واحدة، و كأن أغلبية أفراده ليسوا بطريقة أو بأخري أقلية. المجتمع هو أصلاً مجموعة الأفراد الذين يشكلون بطريقة أو بأخري الأقليات و هؤلاء هم من يضطهدون بعضهم و يخلقون الاضطهاد و يشكلون مؤسساته. المسيحي الذي يقمع زوجته أو بناته و هو مضطهد من الأغلبية المسلمة. النوبي المسلم الفقير الذي يقصي المسيحي و لا يصادقه و يوافق علي منعه من ممارسة شعائره الدينية و هو مضطهد؛ لأنه نوبي و فقير. القاهرية الغنية المتعلمة ذات الوالدين المسلمين المصريين التي ترفض و تقصي المنتقبة و هي مرفوضة اجتماعيًا لكونها ملحدة. و القاهري المسلم الذي لا يعاني عجزًا لكنه يرفض أخاه المعاق و يراه بلا قيمة بل عبء و هو مثلي و مرفوض اجتماعيًا لكونه مثلي. و الترانس التي تؤيد بطش النظام باليسار و الإخوان؛ لأنها تختلف عنهم  و هي مرفوضة اجتماعيًا بل و يبطش هذا النظام بأمثالها لكونها ترانس، و المجتمع يفرض علي الذكر أو يكون رجلاً و الأنثي أن تكون امرأة.
           الأفراد هم خالقين اضطهاد بعضهم، و بخلقهم لاضطهاد بعضهم يخلقون نظامًا اضطهاديًا جماعيًا، و الأفراد وحدهم القادرين علي تغيير هذا المجتمع، هم وحدهم القادرين علي إنهاء اضطهاد بعضهم و كسر دائرة القمع.  كسر دائرة الاضطهاد و القمع يتطلب الإدراك أولاً أن أغلبنا عدديًا أقلية، و أننا جميعًا خالقين للاضطهاد كمنظومة باضطهادنا لبعضنا.
           الخيار الاّخر أن نهرب جميعًا من المجتمع الذي خلقنا اضطهاده بأنفسنا إلي مجتمع اّخر أكثر عدالة للجميع، يحمينا من الاضطهاد و القمع بأن يجبرنا ألا نضطهد أو نقمع أحدًا. هذه المجتمعات التي قد نفر إليها جميعًا بدور الضحية، سنلتقي فيها جميعًا؛ لأننا جميعًا ضحايا و مجرمين.