الثلاثاء، 22 مارس 2016

لماذا تخاف المجتمعات الجنس؟- منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد مارس 2016

      (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).  

      كثيرًا ما يشوش نظرنا بالواقع فلا نفكر فيما يكمن خلفه، كثيرًا ما نخضع لفكرة أو حتي نحاربها أو نسخر منها بدون أن نفكر في الأسس التي تقوم عليها. كل فكرة مرتبطة بأفكار أخري تريد حمايتها أو تقوم عليها. كثيرًا ما يحارب الثائرون الاجتماعيون أو السياسيون ضد قمع سياسي أو اجتماعي، لكن أحيانًا يفوتهم محاولة فهم الدوافع التي تكمن خلف القمع، و الأسس التي يقوم عليها، و يقوم عليها تأييد الغالبية له. لكن ربما يكون الطريق الضروري لإحداث التغيير هو فهم القواعد و الدوافع التي يقوم عليها القمع الاجتماعي أو السياسي، و محاولة إيجاد حل لها أو مقاومتها، لأجل إنهاء القمع. فإذا زالت الأسس و الدوافع التي يترسخ عليها القمع، صار أكثر هشاشة، و ربما اختفي من تلقاء نفسه.
         القمع الاجتماعي المرتبط بالجنس له هو أيضًا أسس و دوافع. خوف المجتمعات من الجنس هو السبب الرئيسي لمحاولتها لتقييده، و إخضاعه، و وضع ضوابط قاسية عليه يتم التنكيل بدرجات متفاوتة بمن يحاول كسرها. هذا الخوف هو أيضًا قائم علي أسباب و دوافع. المجتمعات تريد حماية مؤسسات اجتماعية و سياسية و اقتصادية معينة، و الجنس يمثل لهذه المؤسسات مصدر تهديد. بعض هذه المؤسسات هي أصلاً مؤسسات قمعية، و إذا أطلقت الحريات الجنسية أو اعترف بها، قد تتأثر هذه المؤسسات، و قد يعاد هيكلتها. و المجتمعات تحاول أن تبقي علي المؤسسات بأي طريقة، و لا تتردد في استخدام أي سلاح مهما بلغت قسوته أو أحيانًا حتي دمويته لحمايتها.
         الجنس مرتبط بأكثر من مؤسسة؛ يرتبط الجنس بمؤسسة "المال". المال هنا ليس بالضرورة رأس المال بمعناه الحديث، المال هنا يقصد به كل ملكية يمتلكها مجموعة من البشر. الأسرة، و القبيلة، و العشيرة نماذج مصغرة لمجموعات بشرية تمتلك مالاً، قد يكون في صورة أرض أو أموال سائلة أو غيرها. هذه المجموعات البشرية كثيرًا ما أبت أن تخرج الملكية من نطاق أفرادها، لذلك رفضت كثير منها الزواج خارج نطاق المجموعة، و جعلته بعضها بمثابة الخيانة، خاصة إن كان من جانب امرأة من المجموعة لرجل من خارجها؛ لأن ذلك يهدد انتقال المال من حيازة هذه المجموعات لخارجها. و لأن الزواج ليس قرارًا حرًا في كثير من المجتمعات، فقد يلجأ الرجل و المرأة لجنس خارج نطاق الزواج، و ينتج عنه طفل يحقق انتقال الملكية، لذلك اعتبر ابن "السفاح" محرومًا من الميراث و النسب لدي تلك المجتمعات. فهذه الطريقة تكفل حماية الملكية، و تكفل كذلك إرهاب الأفراد حتي لا يخرجون عن قواعد المجتمع، و يهددون مؤسسة الملكية، و مؤسسات أخري فيه.
        الجنس مرتبط بمؤسسة "السلطة"، لذلك في الأسر الحاكمة قديمًا، لم يعترف بالجنس خارج نطاق الزواج بين أفراد الأسرة الحاكمة. و في مصر الفرعونية، شاع الزواج بين الإخوة، و قبل بين الأب و البنت (مثل حالة إخناتون و ابنته)؛ لأنه يكفل حماية السلطة، و عدم انتقالها خارج الأسرة الحاكمة في مصر الفرعونية، و أيضًا لم يكن يعترف بكل زوجات الفراعنة كزوجات رسميات. و هنا تأتي إجابة سؤال اّخر عن تحليل الجنس للرجل أكثر من المرأة. السبب أن الرجل في المجتمعات القديمة يستطيع التبرأ من الأبناء و ضمان عدم توريثهم الحكم أو المال، لكن المرأة لا تستطيع ذلك لأنها تلد أمام الجميع. و بالتالي فعند قيام الرجل بعلاقة جنسية خارج الأسرة الحاكمة  أو خارج نطاق القبيلة، فتستطيع الأسرة أو القبيلة التنصل من الأبناء خارجها، و حفظ الممتلكات، و الحكم لأفرادها، لكن الأمر ليس كذلك من جهة المرأة؛ لأن المرأة لا تستطيع إنكار من أنجبت أمام الجميع.
       الجنس مرتبط بمؤسسة "الجندر" و "السيادة الذكورية". فسيادة الرجل علي المرأة في العلاقة هو جزء رئيسي من دور الرجل اجتماعيًا أو جندر "الرجل". السماح بالمثلية مثلاً يعني بالنسبة للمجتمع ألا يكون هناك طرف أضعف في العلاقة يتم استغلاله، و إخضاعه، و التلذذ به. فكرة إعطاء المرأة لجسدها لرجل (لا العكس)، و فكرة أن جسد المرأة هو الشيء المثير هي أفكار جندرية أساسية يقوم علي نظام الجندر في المجتمع. مثلاً فرض ارتداء المرأة لملابس محتشمة أو تشجيعها علي ارتداء ملابس مثيرة خلفه فكرة أنها هي الطرف المثير. فكرة تمثيل المرأة للضعف و الرقة مرتبطان بكونها الأضعف في العلاقة ببن الرجل و المرأة. هذه الأفكار كلها ستتحطم أو علي الأقل قد تترنح إذا قبلت المثلية كطريقة حياة. المثلية تعني ألا يكون هناك طرف أضعف أو طرف يعطي الأخر جسده أو طرف مثير، و الأخر فقط يتمتع بالإثارة. المثلية تعني ألا يكون لكثير من الأدوار الجندرية معني. المثلية –في وجهة نظر المجتمع- تهدد مؤسسة "الجندر".
        الجنس مرتبط بمؤسسة "الدين". قد يكون الدين نفسه مؤسسة تحمي مؤسسات سياسية و اجتماعية و اقتصادية أخري من خطر الجنس، لكن الدين أيضًا مؤسسة يهددها الجنس أو علي الأقل يهدد بعض أفكارها. قبول الدعارة أو المثلية أو الجنس خارج نطاق الزواج أو الزواج بين أفراد العائلة أو التعدد أو الزواج بين أفراد دين و أفراد دين اّخر يصطدم بالأفكار الفقهية لأديان متعددة في رأي غالبية أتباع هذه الديانات. مثلاً الزواج بين أتباع الديانات المختلفة يهدد "عدد" أتباع الدين. فمن يضمن دين الأبناء؟ الدين هنا يتأثر بالتفكير القبلي، حيث يصير الدين قبيلة كلما زاد أتباعها، كلما قويت.
        الجنس كذلك مرتبط ب "الهوية القومية"، لذلك كثير من الدول تجعل للزواج بين مختلفي الجنسية إجراءات خاصة، و تراقب عدده، و تضع ضوابط لمنح حق الجنسية للأبناء فيه. و مصر لعقود طويلة، كانت ترفض منح الجنسية لأبناء الأم المصرية، و الأب الأجنبي حتي صدور قانون رقم 154 لعام 2004.
       هذه المؤسسات تختلف من مجتمع لأخر، و من وقت لأخر من حيث القوة. لذلك المجتمعات الأوروبية في العصور الحديثة عندما ضعف عندها مؤسسة الدين ثم تدريجيًا قلت قوة مؤسسة "الجندر"بدأت تقبل بالزواج بين أتباع الديانات المختلفة ثم زواج المثليين. و إن كان فيما مضي، يحرص في كثير من المجتمعات (مثل مصر الفرعونية) علي الزواج بين الإخوة للحفاظ علي الملك، فإن "الدين" كمؤسسة تغلب علي "السلطة" و "الملك" ليصبح -في أغلب المجتمعات- الزواج بين الإخوة خطيئة كبري.

          إذا أراد أحد تغيير وضع معين، يراه/تراه قمعًا للحريات الجنسية أو قمع لحقوق أخري قوامها قمع الحريات الجنسية (مثل سلب الأبناء حق النسب نتيجة لعدم الاعتراف قانونًا بالعلاقة الجنسية خارج نطاق الزواج)، فعليه/ا أولاً محاربة المؤسسات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي يهدف قمع الحريات الجنسية لحمايتها. علي سبيل المثال، إذا أراد أحد محاربة منع الزواج خارج نطاق القبيلة، فعليه/ا أولاً محاربة مفهوم القبيلة أو الملكية داخل حدود القبيلة. 

السبت، 19 مارس 2016

دليلك للوسطية الجميلة- كتابتي بمشاركة أمنية فراج- منشور في مجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد أكتوبر 2015


    الشعب المصري متدين بطبعه بعيد كل البعد عن التطرف؛ لأنه ببساطة شعب وسطي جميل. ولكن لا تحسب الوسطية الجميلة بالأمر السهل؛ إنها ميزة خاصة خالصة للمواطن المصري الحقيقي، لا يتمتع بها سواه.   لذلك اعددنا هذا الدليل الذي يحتوي على اهم مواصفات ومواقف المصري الوسطي الجميل. ليطمئن قلب القارئ انه  مواطن مصري حقيقي غير مشوه الهوية، لم تتلوث وسطيته بالأفكار الصهيوغربية الماسونية، ولا الأفكار الوهابية المتطرفة المتاّمرين علي هويتنا المصرية الوسطية الجميلة.
   الوسطية الجميلة تعكس عبقرية للمصري الوسطي الجميل حتى في تسميتها التي تعكس مبادئها الأساسية. فقد سميت بالوسطية لأنها تقسم الأنسان من المنتصف، فالجزء الأعلي ليس مهمًا بل خطيرًا نظرا لما يحوي من اعضاء خطيرة كالعقل الذي يدفع الإنسان الي التفكير في افكار تهدد الأمن العام وتكدر سلام المجتمع.  أما الجزء الأسفل فهو الجزء الأهم حيث ان صونه هو مرجعيتك الأولي، و الأخيرة في تبني الأفكار، إتخاذ القرارات، والحكم علي الاّخرين.
     كما سميت بالوسطية الجميلة لأنها تقسم الحقوق و الحريات من المنتصف، فتجعلك تري و تقدس حقوق و حريات ذوي السلطة كالأب و الحاكم، و تغض الطرف عندما يتعلق الأمر بحقوق و حريات المحكومين والأبناء. كما تجعلك تري حقوق وحريات كل من يوافقون رأيك، ومن يمثلون الأغلبية، وتغض الطرف عندما يتعلق الأمر بحقوق وحريات المختلفين عنك في الرأي، و من يمثلون الأقلية.
    من اهم مبادئ الوسطية الجميلة انها لا تعترف بحقوق من هو ليس ذكرًا أبًا مسلمًا متزوجًا ثريًا محافظًا وطنيًا (يعني مؤيد للنظام) مصري بسماره و لونه مصري (مش أسود) يسير جنب الحيط (جوه الحيط لو أمكن) ذو ميول جنسية غيرية سليم الجسد (مش من ذوي الاحتياجات الخاصة)، يتراوح وزنه بين 70 و 90 كيلوجرام، و لا يقل عمره عن ستين عامًا.
يتسامح المصري الوسطي الجميل مع الإخوة وشركاء الوطن من المسلمين والأقباط؛ فنري شيخ الأزهر يهنيء الإخوة الأقباط بأعيادهم، ونري البابا يحتضن شيخ الأزهر في الاحتفلات الوطنية، والأعياد الدينية. لكن المصري الوسطي الجميل لا يمكن أن يتسامح أو يسمح قط بانتشار الأفكار الكافرة الغريبة علي هويتنا المتدينة مثل الإلحاد، والتشيع، والبهائية. كما أنه من ناحية أخري لا يمكن أن يسمح قط بانتشار الأفكار الغريبة علي تديننا المعتدل مثل الوهابية المتطرفة.
    ربما تتسأءل  كيف يواجه المصري الوسطي الجميل المعتدل هذه الأفكار الغريبة عن هويتنا المصرية المتدينة الوسطية المعتدلة؟ أجيبك بنموذج من سلوك شباب جامعة قناة السويس الوسطي الجميل عندما وجد زميله في الدفعة- ذلك الكافر المنحل شريف جابر- يرد علي استاذه ويدافع عن المثليين، و قرأ ما يكتبه من كفر و ازدراء للدين الإسلامي، ذهبوا بأنفسهم برفقة استاذه الجليل للإبلاغ عن ذلك الكافر حتى تتحقق العدالة عليه كما هو الحال في بلدنا الحبيب. لذلك تم الحكم بالسجن لمدة عام على الطالب شريف جابر لمجرد الإختلاف في العقيدة. هذا هو الوسطي الجميل الذى يلجا للحلول الأمنية بدلا من النقاش العقلاني، حقا الشعوب على دين ملوكها.  هذه هي سماحة المصري الوسطي الجميل مع إخوة و شركاء الوطن، و جسارته أمام أعداء الدين و الوطن، الذين يزدرون الدين، و يهددون أمن الوطن.

أما بالنسبة للهيئة فيجب تقسيم الدليل إلي قسمين ليناسب الجنسين لأن المصري الوسطي الجميل يؤمن بالفروق الطبيعية بين الرجل و المرأة. فبالنسبة للرجل الوسطي الجميل فهو معتدل في كل شيء حتي مظهره بحيث لا يعكس أفكار غربية غريبة عن ثقافتنا، ولا أفكار وهابية متشددة متخلفة عن ركب الحضارة. فلا تري المصري الوسطي المعتدل من مخنثي المنظر الذين يرتدون الجينز الضيق الملون أو يطيلون شعورهم كالنساء، كما لا تراه مرتديًا الجلباب القصير أو مطيلاً لذقنه.

أما بالنسبة للمرأة المرأة المصرية الوسطية الجميلة فهي لا ترتدي هي الأخري ملابس تعبر عن أفكار الغرب المنحل أو الوهابية المتطرفة. فهي لا ترتدي ملابس عارية، بل تكتفي بالنصف كم ، و التنورة أسفل الركبة، أما إن كانت محجبة، فهي ترتدي حجابًا معتدلاً لا يفصل جسدها، وليس متطرفًا مثل الطرح الواسعة (الخمار)،  كما أنها لا ترتدي ملابس تعبر عن النظرة الوهابية المتخلفة للمرأة مثل النقاب. ونظرا ان المرأة الوسطية الجميلة كالجوهرة بينما الرجل لا يعيبه إلا جيبة ومهما فعل فهو "راجل" يفعل ما يحلو له نجد ان محظورات المرأة اكثر كما ان هناك مواصفات خاصة للمرأة الوسطية الجميلة. فمن ضمن المحظورات الصبغات الملونة، والألوان الفاقعة، وكل ما هو غير مألوف، أو نموذج للفكرين الوهابي من ناحية، و الغربي المنحل من ناحية أخري.

 اما بالنسبة لباقي المواصفات فهي دقيقة للغاية، فبالنسبة للوضع الإجتماعي يجب عليها ان تكون متزوجة في سن مناسب (20-27)، وغير مطلقة أو أرملة. وبخصوص وظيفتها فالمرأة الوسطية الجميلة يجب ان تتذكر انها في نهاية المطاف زوجة وأم خلقت من اجل هذا ليس اكتر – ربما أقل-  ثم يأتي بعد ذلك اي اعتبارات اخرى. لذلك إذا أضطرت للعمل يجب عليها ان تكوت وظيفتها مناسبة لطبيعتها الخاصة جدا كمرأة  فيستحسن ان تعمل كمعلمة، طبية، اوممرضة وألا تعمل في الوظائف القيادية التي هي اولى للرجال.
ولأن الفتاه ماهي إلا سمعة ولأن "شرف البنت زي عود الكبريت" يجب ع المرأة الوسطية الجميلة ان تكون محترمة، ليس لها علاقات، تتحدث بصوت منخفض، تتصرف برقة، وأنوثة، وحياء، تطيع والدها،  وأخيها، وخالها، وخطيبها، وزوجها وكل ما هو مذكر في حياتها كما يجب ان تكون متدينة تدين معتدل

قد يتسأل البعض كيف تضمن المرأة المصرية الوسطية الجميلة الزواج؟  والإجابة هنا في غاية البساطة فإذا كانت تتحلي بالوسطية الجميلة، فحتمًا ستجد وسطيًا جميلاً يرضي بها. وهي- وفقا للتربية الوسطية الجميلة-  كذلك تعرف كيف تتصرف في الأفراح والليالي الملاح، وكيف تتحلي بالحياء، ولا ترقص حتي تدعي للرقص، وعندما ترقص تعرف كيف تقف قرب العروسة لتظهر في شريط الفرح، كما أنها تعرف ماذا ترتدي في هذه المناسبات، وكمية المساحيق التجميلية المطلوبة. وأهم شيء أنها تعرف كيف تجذب عيني أم زوج المستقبل التي جاءت إلي الفرح خصيصًا ا للبحث عن المصرية الوسطية الجميلة لابنها. إلم تعرف كل ذلك فهي ليست امرأة قبل أن تكون وسطية جميلة، ولا تستحق الزواج، وبالتالي لا تستحق لقب المصرية الوسطية الجميلة.

أما بالنسبة لما يخص أراء المصري الوسطي الجميل بما بتعلق بميول الاخرين الجنسية فقد حزف هذا الجزء حفاظا على مشاعر القارئ الوسطي الجميل... ولكن لإصرار بعض الأشخاص غير الوسطيين الجميلين سنقول التالي بحياء. فالمصري الوسطي الجميل "ر اجل" ومش "شاذ" كما انه يكره كل "الشواذ" ويقوم بالتبليغ عنه كي يتلقنوا درسا لا ينسوه واكبر مثال على هذا تصرف "رجال" مصر مع ذلك "الشاذ" اللذي في شارع جامعة الدول العربية الذي ظن ان من حقه ان يسير في شوارع المحروسة بهذا المنظر. ولكن المصري الوسطي الجميل يؤيد –وبشده- التعديات الجنسة على المساجين من قبل ضباط الشرطة واللذي لا يعتبروه شذوذا على الإطلاق بل تأديب لهم.

المصري الوسطي الجميل "راجل".

أما بالنسبة لأراء المصري الوسطي الجميل السياسية  فصوته دائمًا ب "نعم"، يؤيد كل نظام، و يعرف أن كل حاكم هو أب له و لكل الشعب؛ ولأنه مصري وسطي جميل متربي في أسرة مصرية وسطية جميلة يؤمن أن الأب دائمًا يطاع، ويحق له تأديب أبنائه الخارجين عن طوعه بأي طريقة يراها مناسبة، وإن أصر أبناؤه علي العصيان، فهم يستحقون الموت جزاء خطيئتهم هذه.  

ولوطنية المصري الوسطي الجميل، فهو يؤمن أن كل خائن يستحق الموت، و أن كل من يروجون أفكارًا صهيوغربية ماسونية أو وهابية إرهابية متطرفة هم خونة يستحقون الموت. ويؤيد بما يفعله رئيسه و جيشه الوطني من تخليص الوطن من أمثالهم، ويقدم كل عون لهم في أدائهم هذا الواجب الوطني، كأن يبلغ بنفسه عن من يشتبه في كونه من الخونة حتي وإن كان جاره.

هذا الدليل يوفر لك الخطوط العريضة؛ ليطمئن قلبك أنك مصري وسطي جميل. في حالة وجود أي استفسارات أخري، أرسل إلينا علي بريدنا الإلكتروني:

 wasatyagamila@tahyamasr.eg

تبادل الاعتمادية في الأنظمة القهرية- منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد نوفمبر 2015

     (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).
   
     يبدو من بعيد وكأن الحر الحقيقي في الأنظمة التي تغيب فيها المساواة هو "الأقوى"؛ مثل الرجل في المجتمع الذكوري، والثري في المجتمع الذي تغيب فيه المساواة المادية، والحاكم المستبد في النظام الديكتاتوري (حيث تغيب المساواة السياسية). هذا ما يبدو من الخارج، هذه هي الصورة السطحية للمجتمعات القهرية التي تغيب فيها إحدىصور (أو ربما كل صور) المساواة. لكن النظرة الأكثر تعمقًا لهذه الأنظمة تكشف حقيقة غريبة عنها. هذه الأنظمة لا تسلب الأضعف فقط الحرية، بل إن هيكلها والطريقة التي تعمل بها، تجرد كل فرد داخلها (حتى أقوي من فيها) من أي فرصة لبلوغ حرية حقيقية.كل فرد في هذه الأنظمة مسلوب حق الحرية. إنها أنظمة القمع للجميع. 
                                                                                             خلق الاعتمادية المتبادلة وغياب الحرية:
    إحدى كلمات السر لنظام اللا مساواة هي "الاعتمادية". غياب المساواة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بخلق اعتمادية متبادلة. لوجود نظام ذكوري قهري قمعي قوي يجب خلق درجة من الاعتمادية للمرأة على الرجل، يجب أن تكون المرأة مضطرة لاستخدام الرجل في أشياء ضرورية -أو على الأقل يجعلها المجتمع ضرورية-حتى لا تستطيع الاستغناء عن الرجل وتحدي سلطته. في مجتمعنا تحتاج المرأة إلى الرجل ماديًا، لكن حتى عندما تكون المرأة هي المعيلة لأسرتها، فإن المجتمع يجبرها على احتياج الرجل كغطاء اجتماعي، بدونه يسهل مهاجمتها أو تعريضها لضغط الرفض، التجريح أو التهميش (كعانس أو مطلقة أو أرملة). هذه الاعتمادية -احتياج الرجل كغطاء مادي أو اجتماعي-تجبر المرأة على الرضوخ لتحكم الرجل، وفرضه للإطار الذي يراه ملائمًا (طبقًا لمحيطه الاجتماعي) على تصرفاتها وحرياتها الاجتماعية والعملية والسياسية. هنا الاعتمادية المرأة على الرجل -والتي يبتدعها المجتمع-تسلب المرأة الحرية.
      هذه هي الناحية الأولي للصورة والتي يسهل رؤيتها، لكن هناك ناحية أخري، وهي خلق اعتمادية الرجل على المرأة. النظام الذكوري يفرض على الرجل أن يكون معتمدًا على المرأة في أمور رئيسية بحياته. الرجل في المجتمع الذكوري لا يقوم بالطبخ أو بالغسيل أو بالتنظيف؛ فهذه وظائف المرأة في المجتمع الذكوري. نتيجة تعود الرجل على خدمة المرأة (والدته،وأخته ثم زوجته) هي عجز الرجل عن القيام بهذه الأعمال الأساسية لحياته كإنسان، ووجود قدر كبير من اعتمادية الرجل على المرأة في المجتمع الذكوري. هذا يسلب الرجل قدرًا من حريته؛ لأنه يصير دائمًا مضطرًا للاستعانة بأحد[a1] . 
هذا النموذج يشابه ما يحدث في الأنظمة التي تغيب فيها المساواة المادية، وتتسع فيها الفجوة بين الأثرياء والفقراء. في هذه الأنظمة يسند للفقراء المهام التي تسند للمرأة في الأنظمة الذكورية. فيصير الخدم،وعمال النظافة، والطباخين العاديين من الطبقات الاجتماعية الأدنى. وبذلك يصير الأثرياء معتمدين على الفقراء، وعاجزين عن الاعتماد علي أنفسهم تمامًا في إدارة احتياجاتهم الأساسية مثل الطعام،والإقامة في مكان لا يهدد الصحة بسبب قذارته.
هذان نموذجان عن كيف تفرض أنظمة اللا مساواة الاعتمادية المتبادلة بين الأضعف والأقوى، وكيف يؤدي ذلك إلى غياب الحرية لكلا الطرفين.
الأدوار التي تفرضها أنظمة اللا مساواة على الأفراد وغياب الحرية:
الأدوار المختلفة التي تفرضها أنظمة اللا مساواة على الأفراد تسلب الأضعف،والأقوى بعض حرياتهم. الرجل في الأنظمة الذكورية مسلوب حقه في اختيار القيام بأدوار أنثوية كما هو صعب علي المرأة أن تختار القيام بأدوار ذكورية. الرجل ينتقد إذا أبدي رقة وحنانًا أو عبر عن مشاعره بالبكاء، والمرأة تنتقد إذا حاولت أن تبدي صلابة. يصعب على الرجل أن يكون طموحه أن يعمل ممرضًا أو مربي أطفال، كما يصعب على المرأة أن تحلم أن تصير أركان حرب. الفكرة ليست أن المجتمع يمنع الرجل أن يصير ممرضًا أو مربيًا، ولا أنه يمنع المرأة أن تعمل بالجيش فقط؛ الموضوع أعمق من ذلك. المجتمع يفرض على الرجل والمرأة صورة محددة للنفس يصعب تخيل سواها. المجتمع يفقد أفراده فرصة تخيل أنفسهم في دور يخالف ما يفرضه عليهم.
      نعود لنموذج الفقراء والأغنياء؛ في مجتمع تغيب فيه المساواة المادية يصعب على الثري/ة أن يحلم/تحلم بالعمل بوظيفة غير ملائمة لمركزه/ا المادي مثل الخدمة، والتربية، والطبخ، والتنظيف، والتمريض. الثري/ة سيكون/ستكون عاجزًا/ عاجزةً عن مجرد التفكير في مثل هذه الفرص؛ لأنه/ا سيتصور/ستتصور أن هذه الأعمال بالضرورة غير ملائمة؛ لأن المجتمع يضع هذه الأعمال في المرتبة السفلي.وطبعًا يصعبعلى الفقير/ة أن يحلم/تحلم بتولي مجلس إدارة شركة.
      حتى في أنظمة لا مساواة أخري (مثل اللا مساواة السياسية) نجد الأقوى مضطرًا أن يلعب دورًا واحدًا يسلبه حق لعب أدوار أخري. فالديكتاتور لا يستطيع أن يقوم بأعمال أو يرتدي ملابس أو يتحدث بطريقة تدمر صورته القوية العنيفة أو الأبوية. الديكتاتور ملزم بالحفاظ على شكل خارجي له بأي ثمن يدفعه من حريته. الديكتاتور مسلوب الحرية.
الفارق ما بين الاعتمادية والعمل الجماعي-الفارق ما بين الأنظمة القهرية وأنظمة المساواة:
 يمكن الجدال بأن كل نظام اجتماعي إنساني يتطلب مساعدة فرد أو مجموعة أفراد لفرد اّخر أو مجموعة أخري، وأن هذه هي طبيعة المجتمعات البشرية، وليست طبيعة خاصة للأنظمة القهرية، بل إن المجتمع فكرته هي تبادل الأدوار، وتبادل المساعدة.
      لكن مشكلة هذه الحجة أنها تخلط بين المساعدة والاعتمادية[a2] . الاعتمادية هي عجز عن الاستغناء عن المساعدة، وخاصة في أمور أساسية في حياة الفرد. أنظمة المساواة لا تختفي فيها المساعدة، والعمل الجماعي، لكن تختفي فيها الاعتمادية،وعجز الأفراد عن الاستغناء عن بعضهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بأساسيات حياتهم. ولا يفرض على أي فرد الإقدام أو الامتناع عن أي دور محدد بما يحد حريته/ا[a3] .
      يمكن للبعض أن يجادل بأن الأنانية طبيعة بشرية (اعتمادًا علي رأي هوبز)، و أن خلق الاعتمادية و الإلزام بالمسؤولية ضروري؛ لأن المساعدة تحدث بإرادة فردية حرة، و الإرادة الحرة للأناني/ة لن تؤدي بالضرورة إلي المساعدة. يمكن انتقاد أساس هذا الرأي بانتقاد الافتراض القائم عليه بأن طبيعة البشر أنانية. الأنانية أو التضحية و الفداء صفات تزرع من المجتمع داخل أفراده. مثل هذه الصفات ليست جزءًا من طبيعة الإنسان بل هي نتاج إطار اجتماعي محدد. و حتي إن افترضنا أن الأنانية صفة طبيعية لا اجتماعية، فهذا لا يعني خلق الاعتمادية اجتماعيًا لعلاج اّثار الأنانية. يمكن للمجتمع أن يحفذ أفراده علي المشاركة و العمل الجماعي، دون أن يفرض عليهم دورًا محددًا، و طريقة محددة لهذه المشاركة، و بشكل تمييزي.
    يمكن في مجتمع تتحقق فيه المساواة المادية أن تتواجد أعمال مثل عامل/ة النظافة في الأماكن العامة، لكن في هذا المجتمع لن تكون هذه الأعمال مغنية عن قدرة ومسؤولية كل فرد في التنظيف لنفسه/ا، وتنظيف كل ما يوسخه/توسخه حتى خارج نطاق منزله/ا الخاص. وأيضًا لن يكون العمل كعامل/ة نظافة أو ممرض/ة أو طباخ/ة حكرًا على طبقة بعينها، بل سيكون لكل فرد حق أن يطمح/تطمح لشغل هذه الوظيفة؛ لأن هذه الوظيفة لن تكون أدني من وظيفة الوزير.
     في مجتمع تتحقق فيه المساواة الجندرية، لن يكون الرجل معتمدًا على المرأة أو العكس؛ لأن المرأة لن تحتاج رجلاً كغطاء مادي أو اجتماعي، والرجل لن يحتاج امرأة لتقوم بالمهام الأساسية في حياته. لكن في هذا المجتمع يمكن للرجل، والمرأة أن يتعاونا في أي مجال، دون أن يكون هناك دورًا محددًا مفروضًعلى أحدهم.
    العمل الجماعي أو المشاركة يجب أن يأتي من موقف يكون فيه العاملون أو المتشاركون قادرين على الاعتماد على أنفسهم، فيكونون أحرارًا بصدق، وإلا صار العمل الجماعي أو المشاركة نتيجة لاعتمادية، وفقدان للحرية.[a4] 
عن ارتباط الحرية بالمساواة:
الجدال الرئيسي في هذا المقال أن تحقيق الحرية للجميع مرتبط بتحقيق المساواة بين الجميع، وضمان أن كل فرد قادر/ة على الحياة دون اعتماد (خلقه المجتمع) علىاّخر/أخري. فبدون وجود مساواة حقيقية بين أفراد المجتمع، توجد اعتمادية متبادلة من الضعيف على القوي، والعكس،وهذه الاعتمادية تؤدي لغياب حرية جميع أفراد المجتمع.
      المجتمع الذي يختار انعدام المساواة بين الجميع يختار معها القمع للجميع. المجتمع يختار،وأفراده الأقوياء،والضعفاء يؤيدون، يؤيدون ظلمهم[a5] ، يؤيدون عبوديتهم.



السبت، 20 فبراير 2016

غدًا سننام جميعًا في التخشيبة

(هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

    منذ فترة قصيرة كتبت مقالاً بعنوان "إلم ندافع الان فالأشرف أن نعتزل الكتابة إلي الأبد". كتبت عن أحمد ناجي و كيف يواجه السجن بسبب عمل أدبي يري المجتمع أنه ضد أفكار الأغلبية عن "الأخلاق" و "القيم الاجتماعية" و يخدش الحياء العام. كتبت حينها أننا إلم ندافع ضد الجريمة التي ترتكب في حق ناجي، فإننا غدًا سندفع الثمن جميعًا؛ لأن كل منا مهدد/ة باعتبار ما يكتبه/تكتبه خدشًا للحياء العام. 

      الاّن رسميًا صار هذا الخطر قائمًا. نحن لسنا أحرارًا، قلمنا مهدد بالقصف في أي لحظة. حكم علي أحمد ناجي بسنتين سجن لأجل فصل من رواية اعتبره أحد القراء "خادشًا لحيائه" فقدم بلاغًا ضده. كل من يؤيدون الاّن ما يحدث مع أحمد ناجي و غيره من الكتاب و الفنانين و المنتجين و الممثليين و مقدمي البرامج، ستدور عليه الأيام و يدفع ثمن رفض المجتمع أو بالأحري غالبية المجتمع لكتابته. 

       إما أن نقاوم جميعًا ضد قمع المجتمع و الدولة للقلم، و إما أن ننام جميعًا غدًا في التخشيبة.