الثلاثاء، 23 مايو 2017

تساؤلات (11): علي ماذا يستند الإيمان؟

        الهجوم الشهير من المؤمنين بالمنطق أو المؤمنين بالمنهج العلمي (المنطق ليس والمنهج العلمي سواء، هناك اختلاف كبير بينهما) علي الدين أو حتي علي أفكار غير دينية يصعب إثباتها بأدلة ملموسة أو تناقض المنطق هو فكرة عدم إثباتها وكونها غير منطقية. والدفاع المشهور من المؤمنين الدينين الذين يرفضون مواجهة الأسئلة المنطقية ضد الدين هو أن الإيمان هو التصديق حتي دون أدلة ملموسة، ومع التصادم مع المنطق.

         لكن المشكلة الحقيقية عند رفض المنطق والأدلة الملموسة هو كيفية إثبات الإيمان أو تسبيبه. أليس الإيمان دون سبب مجرد تمسك بفكرة معينة لمجرد أنها تروق عاطفيًا للمؤمن/ة بها أو لأنها شيء تعود/ت عليه، ويخاف/تخاف فقدانه؟ أليس الإيمان دون أساس يستند إليه هو مجرد رغبة في الأمان الزائف أو الخوف من هدم كل ما تربى عليه الفرد، وعاش عليه عمره؟ أليس الإيمان بهذه الصورة رخيص جدًا ويرخص ما نؤمن به؟ ألا يجعل الإيمان بهذه الصورة من نؤمن به (مثلاً الإله) مجرد فكرة ننتفع بوجودها و نخاف أن نفقد الأمان الذي توفره، ولذلك نتمسك بها؟

        من ناحية أخرى، من أين يأتي الافتراض بأن المنطق أو الدليل الملموس هو فقط الأساس الذي يمكن أن يستند إليه الإيمان؟ لماذا هما فقط يصلحان كسبب للتصديق؟ ألا يمكن أن تكون هناك صور أخرى للأدلة؟ ألا يمكن أن تكون التجربة الشخصية للفرد في علاقته/ا بشيء ما هو سبب يستند إليه هذا الإيمان؟ ألا يمكن أن تكون تجربة روحانيًا فردية سببًا قويًا للإيمان؟ ألا يمكن أن تكون علاقة شخصية الفردية بإله أثبتت له صدق وجود الإله أو فكرة معينة عنه؟

        لماذا يجب أن يكون دليل أو أساس الإيمان صالحًا لإقناع كل فرد به؟ لماذا يجب أن يكون شيئًا غير فردي؟ لماذا لا يكون أساس الإيمان والإيمان ذاته تجربة فردية؟ لماذا يجب أن يكتسب الإيمان صورة اجتماعية جماعية بأدلتها، وأساسها؟ الإيمان دون سبب أو لمجرد أن الدين الذي تربينا عليه أو الكتاب المقدس الذي كبرنا علي وجوده أو المجتمع الذي تربينا فيه يقول أشياءًا محددة فنؤمن بها ربما هو إيمان خاطئ وكاذب ويرخص ما نؤمن به، لكن هناك صور أخرى للإيمان بأشياء حتي وإن كانت ضد المنطق والأدلة الملموسة. ربما هناك أدلة فردية من نوع آخر يمكن أن يستند إليها الإيمان. 

الاثنين، 22 مايو 2017

تساؤلات (10): هل المرض ضد الطبيعة؟ وهل المرض النفسي موجود؟

        الافتراض الدائم أن "المرض" هو شيء "abnormal" وضد القاعدة الطبيعية، وأن التدخل البشري هي بهدف تصحيح الاعوجاج الذي حدث في الطبيعة بحيث أنتجت أفرادًا ضد قواعدها، لكن من أين يأتي هذا الافتراض؟ نحن وجدنا مثلاً فقدان البصر في الطبيعة، ووجدان الفيروسات، والبكتيريا، والديدان التي تسبب كثيرًا من الأمراض في الطبيعة أيضًا. من أين جاءت فكرة أن الأعراض التي نسميها نحن أمراضًا هي ضد الطبيعة؟ ألأنها تصيب الأقلية مثلاً؟ أم أنها تسبب صعوبات والاّم لنا كبشر؟ نحن لسنا تعريف الطبيعة، ولسنا نحن الذين نحدد طبقًا لما هو يناسبنا، ويريحنا ما هو طبيعي. ربما تكون حقيقة الطبيعة أنها تسبب صعوبات لنا، وأن الطبيعة ذاتها تخلق أوضاع "طبيعية تمامًا" لكنها متعبة لنا كبشر ويجب لنا تغييرها حتي تكون أوضاعنا أفضل. لذلك يجب أن نتشكك كثيرًا في فكرة كون ما نسميه أمراضًا ضد الطبيعة، بل ربما هو جوهر الطبيعة.

       ثاني سؤال أكثر أهمية هو حقيقة وجود شيء يسمي "مرضًا نفسيًا". اليسار يتشكك غالبًا في فكرة وجود شيء يسمى مرضًا نفسيًا. ألا يمكن أن يكون المرض النفسي مجرد مصطلح اخترعناه حتي نصم المختلفين معنا اجتماعيًا بأنهم يفتقدون إلى العقل وأن لديهم مشكلة ما تجعلهم مختلفين؟ ما الذي يفسر تغيير بعض "الأمراض النفسية" ونزع صفة المرض النفسي عنها مع تقبل المجتمع الغربي لها كالمثلية، وتمسك أغلب المجتمعات العربية باعتبرها أمراضًا نفسية لرفضها لها؟ وما الذي يفسر اعتبار عدم استيعاب الأطفال للمنهج التعليمي بالشكل التقليدي مثل الأطفال "المصابين" بال ADHD مرضًا نفسيًا؟ هؤلاء الأطفال فقط لا يستطيعون التركيز في المحاضرات بالشكل التقليدي لماذا نعتبرهم عاجزين أو مرضي؟ ولماذا نفترض في من لديهم مشاعر كثيرة أكثر من الغالبية أنهم مرضي؟ ولماذا نفترض فيمن يفكرون بشكل مختلف، وتسيطر أفكار معينة عليهم بشكل معين أنهم مرضى؟ ولماذا بشكل جزافي يستعمل المجتمع كلمة "مجنون" للإشارة لمن يقوم بفعل غير مألوف في مجتمعه؟ لماذا يتم الحكم بعلاج نفسي علي بعض الأفراد الذين يقودون سيارتهم بطريقة غريبة "بطريقة عربية" في المجتمعات الغربية؟ ولماذا كل من يفعل/تفعل فعلاً غير متفق تمامًا مع المجتمع العربي حتي في اختياره/ا لألوان منزله/ا يسمي "مجنونًا"؟

            العقل بكل بساطة يحتمل أن يكون منظومة فكرية تحاول أن تقصي المختلف مع الأغلبية الاجتماعية وأفكارها. هذا كله لا يعني أنه ليس من حق الفرد أن يحاول تغيير أشياء معينة تضايقه/ا في نفسه/ا، لكن هذا يعني أن هناك شك في حقيقة وجود أشياء معينة مثل الأمراض النفسية، كل  شخص فيه هذه الصفات يعتبر مريضًا نفسيًا.

الجمعة، 19 مايو 2017

تساؤلات (9): هل العلاقات الفردية تفضل العلاقات التعددية؟ وهل العلاقات الغيرية تفضل العلاقات المثلية؟ ولماذا تعتبر العلاقات بين المحارم خطأ؟

         في التساؤل (5) تمت مناقشة سؤال مدى وجود شكل أفضل للعلاقات. في هذا التساؤل سيتم التفكير بشكل أكثر تفصيلاً في مدى أفضلية بعض الأشكال التقليدية بعينها للعلاقات علي أخري.

أ) العلاقات الفردية والعلاقات التعددية:

          الكثيرون يظنون أن العلاقات الفردية مثل الزواج أو الارتباط بشخص واحد، والوفاء له/ا هي الصورة الأفضل، والأكثر غلوًا، وولاءًا لكن هناك بعض التساؤلات التي لا يطرحها الكثيرون بخصوص ذلك الأمر.

           1) لماذا في علاقات مثل الصداقة أو الأخوة لا تعتبر خيانة أو تركًا للشريك/ة أن يمتلك الفرد أصدقاء أو إخوة اّخرين بينما تعتبر خيانة وتركًا للشريك في العلاقات العاطفية أن ينظر شخص لاّخر؟

           2) لماذا يجب أن يتحكم شعور الامتلاك الذي يسبب الغيرة في اختيارات الأفراد في علاقاتهم؟ لماذا يتحكم شعور ضد الحرية "الامتلاك" في صورة العلاقة المثلى؟ لماذا نختار شكل العلاقة الذي يرضي التملك "العلاقة الفردية"؟

            3) لماذا لا يمكن أن يوجد حب رومانسي لأكثر من فرد بشكل مختلف، وبدون أن يتسبب في تفضيل أحدهما علي الاّخر؟

             4) لماذا الجنس بالذات هو ملكية فردية لشخص بعينه؟ وهل لا تناقض فكرة التملك الجنسي لشخص اّخر مع فكرة حرية هذا الفرد وسلطته وحده علي جسده؟

            5) أليس مصدر الغيرة، والرغبة في الامتلاك خوف وعدم ثقة بالذات؟ أليس خوف الفرد من وجود شخص اّخر في حياة من يحب/تحب خوف من المقارنة أو التنافسية؟ هل من يحب يفترض به أن يقارن أصلاً أم أنه يحب كل إنسان بطريقة مناسبة لهذا الإنسان؟

ب) العلاقات الغيرية و العلاقات المثلية:

            1) لماذا يعتبر جنس أو جندر الفردين محددًا لمدي قدرتهما علي الحب والعطاء لبعضهما؟

             2) لماذا يعتبر هدف العلاقة هو شكل تقليدي محدد مثل الزواج أو الإنجاب؟ ألا يجعلها ذلك علاقة نفعية بتة؟ وهل يتم توجيه ذات الهجوم علي العلاقات بين الغيريين العقيمين؟

             3) لماذا يفترض الكثيرون أن الذكر والأنثى يكملان بعضهما البعض أصلاً؟ هذه النظرة توحي بأن الذكر والأنثى كائنات مختلفة، ولكن هل هما حقًا كذلك؟ أم أن تربيتنا الاجتماعية هي التي تجعلنا نفكر بهذه الطريقة؟

              4) هل فكرة إكمال الطريف الاّخر فكرة أصلاً محمودة أم أنها فكرة تفترض نقصان أحد الأفراد وعجزه وحده؟ وهل العلاقة التي يدخلها الفرد ليكمل نفسه علاقة صحية أصلا؟

              5) هل شكل العلاقة الجنسية الغيرية أصلاً يفضل شكل العلاقة المثلية؟ من أي زاوية يمكن الحكم بذلك؟ من زاوية الغيريين أم من زاوية المثليين؟
       
               6) وفكرة طبيعية أم عدم طبيعية المثلية يمكن العودة فيها للتساؤل (2): هل الطبيعة عادلة؟ وهل تصلح معيارًا للخطأ والصواب؟

ج) لماذا تعتبر العلاقات بين المحارم خطأ؟

             1) من هم المحارم؟ لماذا يختلف كل مجتمع ودين في تعريف المحارم؟ أليس ذلك نتاج علاقات اجتماعية، واقتصادية محددة، وأفكار متغيرة لمن هم ذوي العلاقة القريبة القبلية بنا؟

              2) هل وجود حب رومانسي أو جنسي بين أقارب دم أيًا كانت درجة قربهم تقلل من حبهم لبعض أم أنها صورة أعمق لحيهم أو إنعكاس لدرجة ارتباطهم ببعض؟
       
               3) هل الجنس نفسه قذرًَا، ولذلك يلوث العلاقة مع القريبين منا؟ وإن كان كذلك فلماذا نفعله بالاّخرين؟

                 4) لماذا يفترض أن نوع جديد من الحب سيفسد علاقات أشخاص قريبين من بعض؟ لماذا لا يضيف النوع الجديد للحب عمقًا أكبر؟
   
                  5) لماذا ترتبط فكرة العلاقة الجنسية مع أحد بفكرة الإنجاب ومخاطرها؟ لماذا هذه الصورة للعلاقة والقرب والحب نربطها دائمًا بغرض نفعي مثل الإنجاب ثم نقبلها أو نرفضها طبقًا لقدرتها عليه أو علي ضررها فيه؟


             








             

الاثنين، 8 مايو 2017

تساؤلات (٨): هل تصلح فكرة الصليب، والقيامة حلاً لمشكلة الألم؟

     
             


         فكرة الصليب والقيامة المسيحية تعتبر ضمن أكبر الحلول الدينية المختلفة المطروحة لمشكلة الألم (مشكلة وجود ألم في الدنيا رغم وجود إله). لكن هناك أكثر من تحدي يواجه فكرة الصليب، والقيامة كحل لمشكلة الألم.
           الفكرة في الصليب والقيامة هو أن الإله ولد إنسانًا وتعذب عذابًا إنسانيًا، وجرب كثيرًا من أنواع الآلام الإنسانية مثل الفقر ثم التعذيب الجسدي بالجلد حتي تصفية الدماء، والصلب، والجوع حتي الموت، وبذلك يكون الإله في الدين المسيحي قد شارك الإنسان ألمه في هذه الحياة، ويعتبر ذلك حلاً لمشكلة الألم في الفكر المسيحي؛ لأن الإله بهذه الطريقة يكون قد ذاق أسوأ مرارات الألم التي يتذوقها الإنسان، وشاركه الألم في الدنيا دون كبرياء.
            ورغم تميز هذه الفكرة الدينية تاريخيًا بما تحمله من صورة مختلفة للإله دون تعجرف أو كبرياء وصورة إنسانية عظيمة وجمالها في ضعفها إلا أن هذه الفكرة يمكن مهاجمتها بسهولة كفكرة عاجزة أمام مشكلة الألم لعدة أسباب:.
               1) يصعب الادعاء بأن عذابات المسيح
 هي العذابات الأكبر علي الإطلاق، وأنها تصلح كرمز لأسوأ صور الألم الإنساني.  فملايين البشر الذين تعرضوا لمذابح جماعية تعرضوا لعذابات لا تقل بل ربما تزيد كثيرًا علي اّلام المسيح. فالمسيح لم يجرب أن يتم تعذيب أو اغتصاب أعز أحبائه أمامه، ولم يتم اغتصابه (وهي صور تعذيب منتشرة بفحش في المذابح والحروب الأهلية، وضد المعارضين السياسيين). بعض المذابح في أمريكا اللاتينية كان يتم فيها وضع فئران في مهبل النساء لأكله. وكانت الأمهات يجبرن علي رؤية أبنائهن قتلى، وأجسادهم يتم دقها علي الطاولات. وبعض طرق القتل الحديثة تزيد وحشية وايلاما عن طريقة قتل المسيح. وطريقة قتل هيباشيا بتعريتها ثم سحلها بجرها خلف عربة ثم تقطيع جسدها، وحرقه علي مذبح الكنيسة ليست ايضًا أقل إيلامًا من طريقة قتل المسيح. والمسيح لم يوضع في موقف أن يجبر علي قتله أبنائه حتي لا يتركهم يقتلون بتعذيب من نظم تجعله يختار بين قتل أبنائه برحمة، وقتلهم من النظم بتعذيب. الفكرة أن الإاله إذا نزل الأرض، وقرر أن يتعذب فعلاً فيجب أن يمر بكل صور العذابات التي يمكن أن يمر بها الإنسان، لا صورة واحدة محددة، وداخل إطار زمني واحد بحيث يمكن لإنسان اّخر أن يعاني أكثر منه.

              2) المسيح عاني من الفقر لكنه لم يكن أنثى، ولا سامريًا وسط اليهود، ولا مثليًا ولا مريضًا نفسيًا. المسيح لم يجرب وضع أقليات معينة في مجتمعاتها (وإن دافع في مجتمعه عن الكثير من الأقليات). إذا تجسد الإله، وجاء الدنيا ليحمل ذنوب البشر، ويتحمل اّلامهم ويشعرهم بمشاركته لهم، فيجب أن يكون قادرًا أن يشعر بكل معاناة كل شخص في كل وقت. هذا مستحيل بالنسبة لإنسان. فيستحيلأ يقدر إنسان واحد أن يكون ذكرًا وأنثي، جزءًا من عدة عناصر عرقية، مثليًا وغيريًا، مذنبًا وخاليًا من الذنوب. الإنسان محدود حتي في اّلامه. وهذه هي المشكلة الحقيقية لفكرة تجسد الإله في المسيح، وعذابات المسيح كحل لمشكلة الألم. لأنه ببساطة يمكن أن تكون عذابات المسيح حلاً لمشكلة الألم بالنسبة لشخص لديه مواصفات المسيح (ذكر فقير عاش في وقت المسيح أو قرب زمنه مثلاً)، لكنها لا تصلح حلاً لمن لم يجرب المسيح آلامه، ولا تخيله حتي.

           3) حتي وإن افترضنا جدلاً أن المسيح شعر بكل أو حتي أقسى صور التعذيب التي يمكن أن يعاني إنسان منها، فذلك يعني أن الإله عاني هو الاّخر من الألم لكنه لا يعني أن الإله غير مذنب في فرضه الألم علي البشر أو تنصله من مساعدتهم. لأن فكرة معاناة شخص معي لا تقلل من حجم معاناتي أنا، حتي وإن كان هذا الشخص هو الإله.

الجمعة، 5 مايو 2017

تساؤلات(٧): هل تثبت الكتب الدينية وجود إله؟ وهل يجوز ان تعرف صورة الإله عن طريق الدين؟

       كثيرًا ما يجادل أتباع الديانات المختلفة بأن دليلهم علي وجود الإله هو كتبهم التي يؤمنون أنها منزلة منه لكن السؤال البسيط المباشر المنطقي الذي لا يخطر لكثيرين ان يسألوه هو: هل تصلح الكتب الدينية دليلا علي وجود الإله ؟ هل يمكن أن يكون إثبات الإله في كتاب إيًا كان؟

          المسلمون مثلاً يدعون أن الإثبات لوجود الله هو القراّن، لكن المشكلة الحقيقية في هذه الحجة أن الإله هو الأعلي من الكتب، وأن الكتب يفترض أن تكون منزلة من الإله، وأنها تكتسب قداستها، وحقيقتها من قداسة منزلها. الكتب تدنو الإله ولا يجب أن يكون الدليل علي الإله وصفاته هو الكتب؛ لأن ذلك يجعل الأدني (الكتب) إثباتًا لصفات الأعلي (الإله)..

                  الطريق المنطقي يجب أن يكون معرفة الإله أولا ثم البحث عن الكتاب المتفق مع المعرفة الصحيحة للإله، لا معرفة الكتاب ثم رسم صورة الإله المتفقة مع وصفه في الكتاب. هذه المشكلة مرتبطة كذلك بفكرة الدين الصحيح والإله الصحيح، فكثيرًا ما يبدأ الأفراد في رسم صورتهم عن الإله طبقًا للصورة المرسومة له في دينهم (هذه الصورة كثيرًا ما تستخرج من الكتاب أو الخطاب الديني)، لكن هذا المسار غير منطقي وخاطيء؛ لأن الدين يدنو الإله، ويجب أن يعرف الفرد الإله أولا وصفاته ثم يبحث عن الدين الملائم لمعرفته تلك. لكن لا يصح أن يبدأ الفرد بحثه بالدين ثم من الدين يعرف الإله؛ لأن الدين يدنو الإله، ويفترض أن يكون طريقًا لإرضاء الإله، فكيف يتم اختيار طريقة إرضاء إله لا نعرفه أصلاً. هل يجوز البحث داخل طريقة إرضاء شخص عن ماهية الشخص؟ نحن نعرف الشخص ثم نبحث عن الطريقة التي ترضيه. ولكن هل من المنطقي أن نختار طريقة إرضاء شخص لا نعرفه ثم نشكل صورة عنه عن طريق الطريقة التي اخترناها لإرضائه دون أن نعرفه؟ كل نعرف أصلاً أنها ترضيه؟   

السبت، 29 أبريل 2017

تساؤلات (6): هل الدين حقًا مطلق؟ (ملخص مقال سابق)

     يحلو لأتباع ورجال الديانات المختلفة الإدعاء بأن دياناتهم مطلقة، لكن هل الدين واقعيًا مطلق أم نسبي؟هناك الكثير من القرائن علي نسبية الدين. الكثير من أحكام الدين تغيرت من مجتمع لاّخر، و من وقت لاّخر. الأزهر (وهو أكبر مؤسسة سنية في العالم الإسلامي) رفض مثلاً فكرة ملك اليمين عندما عادت للظهور منذ عدة سنوات، و قال أن مرتكبيها زناة، رغم أن ملك اليمين كان مقبولاً كصورة من صور النكاح في الإسلام. الأزهر تبني وجهة النظر التي ترى أن المجتمع تغير، و لا يمكن قبول عودة نظام نكاح كهذا فيه. رجال الدين الشيعة في إيران مثلاً تقبلوا فكرة التحول الجنسي، وتعتبر إيران الدولة الثانية عالميًا في التحول الجنسي؛ مثل هذا الرأي لم يكن ليقبل في السابق من قبل رجال الدين الشيعة. حتي كثيرًا من الأحكام الدينية للشيعة كزواج المتعة المرفوضة تمامًا للسنة يمكن تفسير وجودها بالإطار الاجتماعي الذي نشأت فيه الذي يعتبر أكثر تقبلاً لأفكار اجتماعية منفتحة عن الإطار الاجتماعي للمجتمعات السنية. حتي في المجتمعات السنية، انتشار الفكر الوهابي في السعودية مثلاً، مقابل الفكر المالكي في تونس، مرتبط بالاختلاف التاريخي للمجتمعين إلي حد كبير.
        الإطار التاريخي، والاجتماعي حدد كثيرًا من الاختلافات بين ديانات متقاربة مثل الديانات الإبراهيمية، كما أنه حدد الإختلافات بين المذاهب المختلفة داخل هذه الديانات. مثلاً الكاثوليكية ترفض الزواج بين أبناء العمومة، وتعتبره زنا محارم، لكن هذه الصورة للنكاح مقبولة لدي الأورثوذكس؛ لأن المجتمعات الأورثوذكسية (كمصر) شاع فيها زواج الأقارب تاريخيًا، بينما رفض تمامًا بالنسبة للمجتمعات الكاثوليكية (كروما) تاريخيًا، و نظر إليه بتقزز. اليهودية مثلاً تلزم المرأة التي ترملت بالزواج بأخ زوجها جبرًا عليها و علي أخ الزوج، بينما تري المسيحية ذلك زنا محارم، و يقبله الإسلام، لكن لا يلزم به. وهذا الاختلاف نابع من اختلاف المجتمعات الثلاث. المجتمع اليهودي ظل لفترة طويلة يضطهد المرأة، و لم يكن للمرأة فرصة لأن تعيش بدون الزوج، و كانت المرأة ستتعرض للإهانة، و الخدمة، و الاستغلال إلم تجد زوجًا مسؤولاً عنها في ذلك المجتمع. أما المجتمعات العربية البدوية، فكان للمرأة قدرة مالية فيها إلي حد ما، و كان شائعًا فيها الزواج من أرملة الأخ، لذلك قبل الإسلام هذا الزواج، و لم يفرضه. أما المجتمعات المسيحية خاصة الغربية، فقد اعتبرت الزواج بمثابة امتداد أبدي للأسرة؛ لذلك رأت الزواج من أخ الزوج بمثابة زنا محارم. تعدد الزوجات مثلأً وجد في الإسلام، و اليهودية، و رفض رفضًا باتًا في المسيحية؛ لأن المجتمعين العربي البدوي، و اليهودي قبل فيهم التعدد، واستقر كمؤسسة اجتماعية، بينما كان مرفوضًا تمامًا، وفكرة غريبة عن المجتمعات المسيحية قبل المسيحية.
           حتي الأحكام الجنائية في اليهودية، و الإسلام يمكن بسهولة رؤية الإطار التاريخي، والاجتماعي خلفها. كثير من الأحكام الإسلامية مثل الرجم للزناة، و الجلد، و قطع اليد للسارق، و القصاص من القاتل أو الفدية كانت موجودة في المجتمع العربي البدوي قبل الإسلام أو في المجتمعات اليهودية. كل ما أضافه الإسلام (وهي إضافة ليست صغيرة) هو وضع قيود قوية علي تنفيذ هذه الحدود، و إثبات الجريمة فيها.
           حتي الأديان الغير إبراهيمية، ترتبط فيها الأحكام الدينية بالإطار الاجتماعي. المجتمع الهندي مثلاُ تقبل تاريخيًا قبل الاحتلال الإنجليزي المثلية، و التحول الجنسي؛ لذلك فكثير من طوائف الهندوسية تبنت المثلية، و التحول الجنسي، و جعلتهم جزءًا من  العبادات الدينية.

          لا يبدو أن كل هذا الإتفاق بين الديانات ومجتمعاتها مصادفة؛ وهذا يجعلنا نتشكك في كون الدين مطلق.

الخميس، 27 أبريل 2017

تساؤلات (5): هل يملك أحد الحكم بأن هناك شكل أمثل للأسرة أو العلاقات؟

        في كثير من الدول العربية والآسيوية يسمح بالتعدد للزوجات، وفي بعض الدول الآسيوية والأفريقية يسمح بتعدد الأزواج، وفي أغلب دول العالم يسمح بالطلاق، والأسر التي يربي فيها طرف واحد الأبناء، وفي 17 دولة يسمح فيها بشكل رسمي بالأسر المثلية. ويختلف مفهوم المحارم التي يرفض القانون الاجتماعي الزواج بينهم بين مختلف المجتمعات في مختلف الحقبات الزمنية. بالنسبة للمصريين القدماء، لم يكن الأخوة محارم يمنع الزواج بينهم، في حالة الأسرة الحاكمة كان يمكن للأب أن يتزوج ابنته (مثل إخناتون وابنته). وفي بعض المجتمعات الغربية يمنع زواج أولاد الأخوال والعمومة بينما يفضل هذا الزواج في المجتمعات العربية. تفرض الطبيعية في كل المجتمعات أسرًا طبيعية أو تصنعها الدولة (مثل الجمعيات الأهلية للأيتام) يكون فيها المربي للطفل غير أبويه البيولوجيين. لكن رغم كل هذه الاختلافات بين المجتمعات في شكل الأسرة أو العلاقات المقبولة، نجد أن بعض أشكال الأسر والعلاقات يراها مجتمع معين أفضل من أسر أو علاقات أخرى.

         يترتب علي هذه النظرة أن يتم قمع واضطهاد الأفراد الذين ينتمون لأسر أو يدخلون في علاقات مختلفة عن التي يراها مجتمعهم "مثالية" أو "طبيعية" أو "كاملة". لكن هل يملك أي مجتمع أو أي فرد حتي حق الحكم علي أسرة أخرى أو علاقة أخرى بين أشخاص اّخرين بأنها "اّثمة" أو "قذرة" أو "خطأ" أو "شاذة" أو "غير صحية" أو "ناقصة" حتي؟ هل يملك أي إنسان حق الحكم بأن هناك شكل أمثل للأسر والعلاقات بالنسبة للاّخرين؟ هل يملك من ولدت لأبوين متزوجين أن تحكم أن شكل أسرتها أفضل من شكل أسرة صديقتها التي تعيش مع أمها المطلقة أو زميلها الذي ولد في بيت للأيتام؟ إنها لم تجرب حياة صديقتها وعلاقتها بولادتها، ولم تجرب حياة زميلها وعلاقته بأخواته أو باّبائه وأمهاته في دار الأيتام. هل يمكن لشخص غربي عاش مع والدته غير المتزوجة وفي مجتمع لا يوجد فيه تعدد أن يحكم علي أسرة سعودية أوسودانية فيها أب متزوج من عدة نساء، ولديه أكثر من عشرة أبناء؟ هل يمكن لشخص تربي في المجتمعات الحديثة في الأسرة التقليدية حيث علاقته بأخته لا تسمح له بالتفكير فيها بشكل جنسي أن يحكم علي زواج الاخوة في المجتمع المصري القديم أو حتي أن يحكم داخل مجتمعه علي شخص يحمل مشاعر جنسية وعاطفية لأخته أو حتي لوالدته؟

        الإجابة التي يمارسها أغلب الأفراد، وكل المجتمعات هي "نعم؛ يجوز الحكم". وتكون نتيجتها هي قمع واضطهاد وإنكار أي صورة مخالفة للصورة المثلى للاسرة والعلاقات داخل المجتمع المحدد في لحظة محددة. لكن التساؤل هو هل فعلاً الإجابة نعم؟ هل يملك أحد الحكم؟