الأربعاء، 11 يوليو 2018

سلسلة خبرات السفر: قبرص

( هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة ).

قبرص من أكبر جزر البحر المتوسط، وهي قريبة من لبنان وعلي حدود تركيا واليونان. وتاريخيا بسبب موقعها الاستراتيجي شهدت كثيرا من العصور والحضارات؛ لأن السيطرة عليها كانت هدفا استراتيجيا لها.

وهي حاليا تعد من أكثر دول العالم تسلحا، وبها قواعد عسكرية لتركيا واليونان وبريطانيا و قوات حفظ السلام الدولي. وأكثر القواعد بها ملك لتركيا لأن تركيا احتلت ٣٧% من مساحة قبرص عام ١٩٧٤. عام ١٩٧٤ دخلت تركيا أغني مناطق قبرص فاماجوستا واحتلتها وكانت منتجعا للأثرياء في قبرص. وطردت الأثرياء الذين تركوا أشياءهم خلفهم، وقذفت أغلي الفنادق بالصواريخ؛ ومنذ ذلك الوقت وتركيا تحتل أكثر من ثلث مساحة الجزيزة فيما يعرف بقبرص التركية. وعلي الحدود بين القبرصتين توجد قوات حفظ سلام من سولفاكيا وقوات من بقايا الاحتلال الإنجليزي، وقوات قبرصية وقوات تركية. ويسمح بالعبور بين القبرصتين بباسبور صالح لأي سائح.

القبارصة لم يستسلموا لهذا الوضع بل قرروا الاستفادة منه لأقصي درجة حيث تنظم الشركات القبرصية السياحية رحلات إلي فامجوستا تحت اسم "مدينة الأشباح" غير الأرباح الكبيرة التي تجنيها قبرص من هذه الرحلات (خاصة مع جاذبية فكرة المنطقة الأوروبية المحتلة المطرود أهلها منها للاوروبيين) فقبرص تستغل الموقف لتسويق قضيتها القبرصية للعالم. فالمرشدين السياحيين القبرصيين يجعلونها رحلة مسية للدفاع عن بلدهم وتعريف العالم بقصيتهم.

قبرص مجتمع مختلط. ففيها يونانيون يؤمنون بأن قبرص يونانية، وفيها قبارصة يؤمنون أن قبرص مستقلة. وبوجه عام قبرص خليط من ثقافة البحر المتوسط المحافظة والثقافة الأوروبية. ويميل القبارصة لمحاولة اكساب نفسهم المظهر الإوروبي أكثر. وبقبرص يوجد من الثقافة الاوروبية فكرة الطبقة المتوسط الكبيرة وغياب التفاوت بين الطبقات، وفتح الشواطيء للعامة وعدم وجود شواطيء للخاصة، واحترام الحياة الشخصية للأفراد، والتفاني في العمل، والقوانين غير الدينية. ومن الثقافة البحر متوسط يوجد فكرة أن البيوت ملكية أسرية تنتقل جيلا بعد جيل، والطابع الدافيء نسبيا للقبارصة، وروح الدعابة خاصة السياسية لديهم، والنظرة المرتفعة لما هو أوروبي، وبعض مظاهر الأورثوذكسية مثل ارتداء بعض النساء كبيرات السن للأسود، ومثل مظاهر الريف القبرصي، وعدم تهذيب الأطفال، والانخفاض النسبي للأسعار بالمقارنة بأوروبا.

بسهولة يمكن رؤية الفرق بين القبرصتين؛ حيث بقبرص التركية توجد فوارق شاسعة بين الطبقات، وغياب للنظافة في كثير من الأماكن، ومطالبة الجمهور بدفع النقود مقابل استعمال دورات المياه العامة. ومع ذلك تبقي قبرص التركية متحضرة نسبيا في التعليم؛ حيث يصطف الأطفال ويقيمون عروضا راقصة مدرسية في الشوارع بنظام.

الشعب بوجه عام هاديء ومحترم، ومهذب وغني عن الذكر عدم وجود تحرش. وتعتبر الدولة إلي حد ما محافظة، ويحتاج إدراك ذلك إلي خبرة في النظر إلي التفاصيل الصغيرة الاجتماعية.

طبيعة قبرص خلابة، وجبل ترودوس من أجمل ما يمكن وهو أعلي قمة في قبرص. وشواطيء قبرص وأثارها الرومانية رائعة الجمال.

بقي أن أذكر أن أهم حيوانين بقبرص هما القطة الحمار. القطط منتشرة بكل مكان، وتوجد أسطورة حولها. أما الحمير فتنتشر بالريف القبرصي، وهناك رحلة سياحية في قبرص لركوب الحمير. ويستخدم لبن الحمار كمستحر تجميلي رئيسي في قبرص.

الاثنين، 2 يوليو 2018

حكم القضيب وحكم الرحم


         "القضيب لو مش حديد؛ ما يشلش قطر."
        من اللافت للانتباه أن أحدًا لم ينتقد بجدية هذه العبارة التي جاءت في عمل درامي رمضاني لمحمد رمضان يشاهد من أفراد الأسرة كاملة، ولم يرفع أحد قضية علي محمد رمضان يتهمه فيها بخدش الحياء العام أو حتي الخاص علي غرار ما حدث مع الأديب أحمد ناجي عندما نشر فصلاً من روايته يتضمن وصفًا وعبارات جنسية؛ علمًا بأنه نشره في مجلة الأدب التي ليست مجلة للجمهور العام أو للأسرة، إنما هي مجلة مخصصة للجمهور الأدبي. لم ينتقد أحد محمد رمضان؛ لأن عبارته ترقي لتكوين النص المقدس الأول الذي يؤمن به بعمق النظام الاجتماعي، والسياسي المصري. هذا النص هو النص الأعمق داخل الوعي الجمعي المصري الذي يحرك كل معتقدات المجتمع، والدولة كالوجه السياسي للمجتمع. الحقيقة أن هناك نظامان لحكم المجتمع، والدولة؛ الأول هو "حكم القضيب"، والثاني هو "حكم الرحم"؛        والمجتمع المصري بشكل عميق يؤمن بحكم القضيب حتي وإن غضب في بعض اللحظات من إيلامه.
             حكم القضيب هو الإيمان الراسخ العميق بأن الحكم للأقوي. حكم القضيب هو الإٍيمان العميق بأن الأضعف يجب أن يخضع ويتألم، ويعلن خنوعه للأقوي حتي وإن فعل عكس ذلك في الخفاء. الإيمان بحكم القضيب هو الإيمان بأن القوة وحدها توفر الأمان، وأنها وحدها أيضًا هي مصدر الحق. هنا يكون الإيمان منصبًا علي الصورة القوية، والعنيفة، والمتجبرة من الإله. هنا يكون الإيمان منصبًا علي الصفات التي ترتبط بالذكورة في مفهومها الاجتماعي مثل الجلد، والعنف، والقسوة، والتحكم، والمراقبة، والتخويف، والإخضاع باسم توفير الحماية. هنا يحكم مفهوم محدد للأب ككائن مسؤول عن توفير الأمان في مقابل القهر والقمع، والمنع، والإخضاع، والسيطرة. الأب هنا رمز للسلطة؛ فالسلطة تكون للأقوي، والذي يحكم بالإخضاع، والتخويف والخداع بأنه وحده القادر علي توفير الحماية.
               حكم الرحم علي النقيد من ذلك يعتمد بشكل أساسي علي مفهوم الاحتواء، والحنان، والحماية، والرقة، والتضامن. حكم الرحم معتمد علي مبدأ حماية الأضعف، واللذوذ عنه تجاه تجبر الأقوي، وعدوانه. القوة في مفهوم حكم الرحم هي القدرة علي احتواء الجميع؛ هي القدرة علي توفير تضامن اجتماعي، وحماية لكل فرد مهما بلغ ضعفه، وعجزه في المنظومة الاجتماعية، والسياسية ككل. حكم الرحم يرفض أسلوب القسوة، والإرهاب، والعنف؛ وصورة الإله فيه هي صورة الإله المحب الحنون الرحيم الغفار، والمحتضن.
                   نادرًا ما يستأثر أحد الحكمين تمامًا بمجتمع ودولة؛ فغالبًا ما يندمج النظامين بدرجات متفاوتة داخل كل مجتمع أو دولة. الفارق الحقيقي يكون في مدي الميل نحو أحدهما كمنظومة مفضلة، ومحل إيمان عميق مترسخ داخل الوعي الجمعي. المجتمع المصري يميل أكثر وأكثر يومًا بعد يوم نحو الإيمان بحكم القضيب. المجتمع المصري يتشدد في محاولة لذوذه عن صورة القضيب القوي الحديدي القادر علي حمل المجتمع بأكمله في مقابل إيلامه في إيلاج قاسٍ. كل ما حدث في المجتمع والدولة خلال الأربع أعوامٍ الماضية (حتي التفاصيل الصغيرة) هي محاولة صناعة القضيب الحديدي المصري عن طريق التخلص من كل ما يمثل ميلاً نحو الرحم. التنكيل بكل أقلية سياسية بعنف وسجن بلغ 45000 معتقل هو محاولة فرض صورة القضيب علي الميدان السياسي. إخراس كل من ينتقد الدين الإسلامي (دين الأغلبية)، وفرض التكتم علي كل من يترك هذا الدين هو محاولة لفرض القضيب في الميدان الاجتماعي؛ هي محاولة لفرض الإيمان الراسخ بأن الحكم للأغلبية؛ لأنها الأقوي. والدليل علي ذلك أن كثيرًا ممن يدعمون جبروت الدولة ضد الأقليات الدينية هم يؤمنون بقوة في ضرورة خضوعهم لعادات وتقاليد المجتمعات الغربية في الغرب؛ لأن عقيدة القضيب تقول لهم أنهم هناك أقلية، وأضعف، ويجب أن يقبلوا بحكم الأغلبية الأقوي.
             وبشكل خاص حدث ثلاثة أشياء في السنوات الأربع الماضية للتأكيد علي أهمية القضيب وصناعة حديديته. الشيء الأول هو محاولة القضاء تمامًا علي الأقليات الجنسية التي تهدد صورة الذكر كالمقتحم والمخضع المخيف. فنظر للمثليين علي أنهم من أبشع صور التهديد لهذه الصورة؛ لأنهم ذكور يقبلون أن يكونوا في موقع المخترق، الذي يتم إخضاعه، وكسره؛ وتعرضوا لأبشع صور السجن، والتجريس، والتعذيب الذي يصل لحد الاغتصاب (وهذا طبعًا تناقض). أما الشيء الثاني هو تشدد الدولة في ضرورة فرض التجنيد الإجباري علي كل ذكر باسم إعادة الوطنية المفقودة بين الشباب. والتجنيد يمكن أن يحمل فعلاً معني الوطنية، وكنت بشكل شخصي، وأنا طفلة أرغب أن يكون لي فرصة الإنضمام لصفوف الجيش. ولكن توقيت التشدد في التجنيد الإجباري توحي برغبة في إكساب الشباب دون الفتيات (لعدم السماح للمرأة بالالتحاق بالجيش إلا في الأدوار الأنثوية كالتمريض) وصف القضيب الحديدي، ومحاولة تحوليهم أكثر إلي التمسك بكل ما هو ذكوري، وعسكري، وليس أبدًا مدنيًا أو أنثويًا. الشيء الثالث هو محاولات القوي الذكورية لزيادة هيمنة الذكر في العلاقة الزوجية مثل مشروع قانون حزب الوفد الذي يحمل نصوصًا تجبر المرأة علي الخضوع لهيمنة القضيب عليها، وحماية فكرة الاغتصاب الزوجي؛ لأنه الحق المشتري للقضيب علي العائن الأنثوي. ويحمل مشروع القانون كذلك إلغاءًا للخلع، وإلغاءًا للنفقة في حالة عدم تسليم الذات في بيت الطاعة.
         وأخيرًا استيقظ المجتمع علي مفاجأة أن محدود الدخل أضعف، وأن الغني هو الأقوي، وهو في ميدان الاقتصاد صاحب القضيب. هذه المفاجأة حملت معها لأول مرة غضب الأغلبية؛ لأنها أدركت أنها أضعف ؛ لأن الميدان الاقتصادي طبيعته مختلفة، وصاحب القضيب فيه أقلية. من التناقض ونفاق الذات، والازدواج أن يغضب المجتمع الاّن؛ لأن من قبل بحكم القضيب يجب أن يقبل به عندما يكون الأضعف، لا عندما يكون الأقوي فقط. وإن أوجعك إيلام القضيب الحديدي؛ ففكر أنه ربما الحل ليس في الحديدي؛ ربما الحل

                               في الرحم.

الأحد، 13 مايو 2018

إعتذار

المفروض أكتب كتير أوي؛ المفروض أكتب تحليل وشرح وتنظير عما أعلم فيما تفعله الدولة ويفعله المجتمع بنا. 
المفروض أكتب عن حاجات كتير أوي بس الصدمة والفجور والإفتراء فوق طاقتي.
أنا فعلا مش قادرة أكتب؛ كمية المشاعر والصدمة والطغيان والقهر والهزيمة للحلم فوق طاقتي علي التحمل.
سامحوني؛ أعجز عن الكتابة؛ أحاول منذ فترة، وتزيد الصدمات فأعجز أكثر.
لكن مازلت أقاوم، ومازلت أحاول أن أحيا.
وأريد أن أعود لقلمي.
أريد أن أعود.

الأحد، 7 يناير 2018

رموز قداس ميلاد المسيح والمنظومة الفكرية الكاملة للدولة المصرية

  (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

       لكل مجتمع ودولة ما منظومة أفكار مترابطة ومتجانسة اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية تخدم بعضها البعض. ولكل دولة ومجتمع رموز تعبر بشكل واع أو غير واع عن هذه المنظومة. هذه الرموز تبدو من الخارج ضمن حكام وموجهي المنظونة لكنها في حقيقتها ليست إلا لاعبا في دور محدد داخل هذه المنظومة مهما عظمت مكانتها بل حتي لو تولت الرئاسة الأسمية لها. وتقوم هذه الرموز بدور الأبطال الرئيسيين الذين يعبرون عن أفكار السيناريست. وإن كان السيناريست في المجتمعات والدول ليس شخصا بعينه إنما هو وعي (أو لا وعي) جمعي.
         المجتمع المصري والدولة المصرية ليسا استثناءا من هذه القاعدة. مصر الان تحكمها مجموعة أفكار سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية يعبر عنها في رموز كثيرة منها كنيسة ميلاد المسيح في العاصمة الإدارية الجديدة والبابا تواضروس وكلمته في القداس اليوم.
         مجموعة رموز متناثرة ظهرت اليوم بتحليل عميق لها يمكن أن نري إنعكاس المنظومة الحاكمة المصرية الان بكل جوانبها. الرمز الأول هو كنيسة في العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة نهائية مليار و٢٠٠ مليون جنيه؛ الرمز الثاني هو صلاة داخلها بحضور محدد وعدد ومحدود؛ الرمز الثالث هو صف العسكر في صفها الأمامي، الرمز الرابع هو اسم الكنيسة "ميلاد المسيح"؛ الرمز الخامس هو حديث البابا في قداس عيد الميلاد الذي يكون غالبا موضوعه قصة ميلاد المسيح أو مريم عن الإلحاد و"الشذوذ" والإرهاب؛ الرمز السادس هو الأية والتفسير الذي اختاره البابا متي(18 : 3).
          فلنبدأ بالمنظومة الاقتصادية؛ المنظومة الاقتصادية التي تتبناها الدولة الان هي امتداد وتطور للمنظومة التي تبناها مبارك منذ التسعينات وهي إتباع برامج إعادة الهيكلة التي يمليها صندوق النقد والبنك الدوليين والتي حققت لمصر قبل ٢٥ يناير معدل نمو اقتصادي بلغ ٧% من الأعلي عالميا واحتياطي نقد أجنبي صخم، مع قروض قاربت التريليون جنيه و نسبة فقر قاربت ال٤٠% حسب دراسات مركز دعم إتخاذ القرار أنذاك.
            هذه المنظومة الاقتصادية كانت وراء نهضة ضخمة في كثير من الدول النامية ومن أشهر نماذجها البرازيل لكن تقريبا جميع الدول التي إتبعتها من الدول النامية حققت نموا اقتصاديا مرتفعا، واحتياطي نقد أجنبي ضخم لكن مع زيادة مرعبة في الفجوة بين الطبقة شديدة الثراء والطبقة الأفقر وارتفاع مرعب كذلك في عدد المواطنين تحت خط الفقر، مع ازدياد ثروة طبقة محددة ونخبة ثقافية واقتصادية. هذه المنظومة بدأت تؤتي ثمارها بتعويم الجنيه والاستفادة الذي عاد بها هذا القرار علي المستوي الإئتماني للدولي وعلي الطبقات الأكثر ثراء والنتائج المذرية لهذا القرار علي الطبقات الأشد فقرا أو الطبقة المتوسطة بشكل أساسي. وتعلم الدولة ذلك جيدا لكنها تعلم أولوياتها أيضا، تعلم أن أولوياتها هي النمو الرقمي وليس الاجتماعي، وتعلم أن الطبقة الأشد ثراء هي الأساس الذي تخدمه. لذلك تعلم أنعا تحتاج لتوجيه مليارات لتحسين وأنشاء طرق للتجمعات والمجتمعات الثرية المغلقة وللاحتياجات التجارية لطبقة رجال الأعمال والمخدمين عليهم  بدلا من تعديل طرق القري أو المحافظات الفقيرة أو بدلا من تحسين العشوئيات مثلا. وتعلم ذات الدولة أن الأولوية ليست لمسيحيي الصعيد في القري الأشد فقرا التي لا يوجد بها كنيسة أو التي أغلقت كنائسها أو لمسيحيي حلوان. تعلم أن الأولوية لمجتمع التجمع والشعب المسيحي الأكثر ثراء الذي سينتقل للعاصمة الإدارية الجديدة.
       تحاول الدولة كذلك أن تخلق كوادر من شباب هذه الطبقة تستطيع أن تكمل مشوار المنظومة الاقتصادية وتقيم الدولة لهذه الكوادر المؤتمرات. هؤلاء ضرورة لاستمرار المنظومة. وأحيانا تخلق تلك المنظومة رموزا لإيهام الطبقات الأقل حظا أن هناك أمل لهم داخل هذه المنظومة؛ رموزا مثل محمد رمضان ومحمد صلاح؛ وتهتم كثيرا بالاحتفاء بهم.
        المنظومتان الدينية والاجتماعية لهما ضوابطهما أيضا؛ فهذه المنظومة التي تحكم مصر تريد صورة واحدة محددة للمجتمع بأكمله لا يميل عنها يسارا أو يمينا. هذه الدولة لا تريد مجتمعا متدينا ومحافظا إسلاميا كما أنها لا تريد مجتمعا فيه مثلية جنسية أو إلحاد أو حتي تعدد ديني حقيقي مثل البهائية. هذه المنظومة عبارة عن نسخة مصرية محددة بمفهوم محدد عن التدين المصري الوسطي الجميل بشقيه الإسلامي والمسيحي ولكن تدين تحت السيطرة وداخل إطار المنظومات الأخري السياسة والاقتصادية للدولة. هناك اختلافات أيضا داخل قالب محدد؛ فمثلا الكنيسة الإنجيلية مختلفة عن الكنيسة الأرثوزدكسية في مواجهتها ل"خطري" الإلحاد والمثلية وتحاول أن تتصرف بذكاء أكثر لكنها تبقي داخل المنظومة الوسطية. هذه المنظومة يعبر عنها بصورة فتاتان ترتديان ثيابا غالية؛ واحدة ترتدي تنورة فوق الركبة رسمية والثانية ترتدي حجابا. لا ترتدي إحداهما نقابا ولا تتعري. حتي قبول الاخر المختلف بدرجة صغيرة يكون بقواعد؛ قواعد تجعل المسيحيين يحصلون علي إجازة عيد الميلاد المجيد لكن ليس علي عيد القيامة.
        المنظومة السياسية تكمن في نظام سياسي يرفض النقد والاختلاف، ويرفض وجود هامش من الحرية والتنفس. نظام سياسي قمعي سمته الأولي الأبوية. لا أحد يحق له أن يختار فيه أي شيء، ولا حتي أن يسأل. الكل يؤدي دوره وينفذ فقط، والكل يؤمن بدون تساؤل، لا يشك حتي لو كل القرائن مضادة لما يقال له. هذه المنظومة لن تحكم إذا شك الفرد في الدين أو "نظام الطبيعة" لذلك لا يجب أن يسمح بسلوكيات كالإلحاد أو المثلية وتواجه بقوانين جبرية وقبضة قمعية. لا يسمح بطرق رقيقة مثل التحدي الفكري؛ يجب أن تعبر المنظومة الأبوية عن نفسها في الأب السطوي القوي الذي يفرض كل شيء بقوة وحسم وقانون وسجن. وفي هذه المنظومة يجب أن يكون طريق السماوات أن يكون المؤمن كالصغير شديد الثقة ولا يشك، ويكون كل من يحاول العبث بثقة وإيمان الصغير مصيره الهلاك.

           هذه المنظومات كلها متشابكة ولن تصمد إحداها بدون الأخري، ولن تصمد إحداها بدون أباء وصغار.
     
 
           

الاثنين، 13 نوفمبر 2017

الانتصار الأكبر للنظام القمعي الاستبدادي: تحويل المعارضين لمستبدين

      (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

        يحب معارضي النظام الحاكم انتقاد ومواجهة الديكتاتورية القائمة، وقمع الحقوق والحريات، وهرس حقوق الأقليات مدعين أنهم يدافعون عن العدل والمساواة والحرية. ويحب الإسلاميون منهم الإدعاء بأنهم يدافعون عن الحق، وحكم الله، ويحب الليبراليون، واليساريون الإدعاء بأنهم يدافعون عن المساواة و الحرية.

       لكن إذا ناقشت أكثر أفكارك إن كنت يساريا أو ليبراليا فقد تجد ميلا للانقلاب علي هذه الأفكار في حالتين؛ الحالة الأولي إذا كان هذه بخصوص حقوق مجموعة تؤمن أنها مخطئة مثل العاملات في الجنس مثلا، والحالة الثانية إذا افترضت وجودك في السلطة وتتعامل مع حقوق أفراد النظام القائم أو حقوق الإسلاميين. وقد تجد لديك ميلا للإعجاب بأفكار نتشه أو لينن أو شميت أو أتاتورك أو إعجابا داخليا بنموذج الإتحاد السوفيتي أو ألمانيا الشرقية، وقد تري أن أفكار نتشه أو لينن أو شميت أسيء تطبيقها لكنها يمكن أن تطبق بصورة صحيحة لا تجعلها تحيد عن طريقها المستقيم.

              وإذا واجهك أحد بأن هذه الشخصيات والنظم والأفكار تتعارض مع قيم الحرية، والمساواة التي تدافع عنها، فسترد أن قيم الحرية والمساواة تحتاج لنظم تحميها وتفرضها. وإذا ضغط عليك محاورك في النقاش، فستخرج ما بداخلك ويكمن خلف دفاعك عن هذه الأفكار.  ستواجه محاورك بالسبب الحقيقي خلف إنقلابك الداخلي علي هذه الافكار. ستخبر محاورك عن الفشل الذي تعرضت له هذه الأفكار في الثورة أو عن الظلم الشخصي الذي تعرضت له وتعرض له من تعرفهم وأمنوا بهذه الأفكار حتي النهاية.

             يؤلمني أن أغلب من يدعون مهاجمة هذا النظام إما يؤمنون بالحكم الإسلامي القمعي لكل ما هو مناقض للإسلام أو يؤمنون بالحكم اليساري القمعي. كثير من اليسار والليبراليون لا يؤمنون حقا بمبادئهم. هم مثل النظام يؤمنون بالحقوق لأنفسهم فقط. خاصة بعد انتصار النظام الديكتاتوري القمعي. ولا يدرك معارضو النظام أن نصر النظام الأكبر هو إجبارهم علي تبني أفكاره والانقلاب علي مبادئهم. النصر الأصغر للنظام هو الاستحواذ علي الدولة والتنكيل بمعارضيه لكن النصر الأكبر للنظام هو قهر أفكار معارضيه؛ هو جعلهم يحملون داخلهم أفكاره. وهذا هو النصر الحقيقي الذي حققه النظلم الحالي؛ فكثير من معارضيه يؤمنون بأن المنتصر علي صواب داخلهم، ولذلك داخلهم يؤمنون بأن النصر من نصيب أفكار هذا النظام وليس أفكارهم، ولذلك أيضا داخلهم بدأوا يعجبون بالأفكار القمعية لنتشه وشميت ولينن وأتاتورك.

               يجرحني أننا حتي وإن تخلصنا من هذا النظام، سنتخلص من لاعبين سياسيين معينين، ولن نتخلص من القمع أو القهر أو الظلم أو الاضطهاد. يجرحني أننا سنظل في دائرة ظلم وقمع لا تنتهي إنما يتبدل فيها الظالمون والقامعون فيها. يعذبني أننا لن نستطيع أن نرنقي كبشر ذات يوم في هذا المجتمع. وسأظل أتعذب داخل هذه الدائرة للأبد؛ لأنني أدرك أنني حتي وإن صار أمثالي الذين يمثلون الأقلية الان أغلبية فسأظل أتألم لأن من سيصير أقلية سيقهر؛ فأنا ضد ألم الإنسان بالظلم والقمع ولست ضد ألمي الشخصي لأنه ألمي. 

               وكل من لا يؤمن بالحرية والمساواة للمختلف عنه وحتي خصمه لا يؤمن بهم حقا. ولا يحق له أن يدعي الدفاع عنهم؛ فهو يدافع عن حقوقه وحرياته، لا يدافع عن العدل، ولا الحرية.

الاثنين، 7 أغسطس 2017

تساؤلات (١٥): هل الإنتاجية معيار نجاح؟

        عندما تحدث مقارنة بين الأفراد المختلفين وحتي الدول المختلفة، تتخذ الإنتاجية معيارا للمقارنة. عندما ينظر المجتمع لشخص ما، ويقيم مكانته الاجتماعية في كثير من المجتمعات يقيمها علي أساس انتاجيته. وعندما يتم النظر ل"نجاح" الدولة، ومقارنته ب"فشل" دول أخري تكون هذه المقارنة قائمة على أساس الإنتاجية العلمية والاقتصادية بغض النظر عن توزيع المنتجات العلمية والاقتصادية، وعن وضع حقوق الإنسان، وحرياته الحقيقية داخل هذه الدول بل إن من يضع معيار الحياة المرفهة، وحقوق الإنسان، وحرياته هو الأكثر إنتاجية.

      لكن هل الإنتاجية معيار النجاح؟ هل الإنتاجية هي القيمة الحقيقية للحياة الإنسانية؟ هل الإنتاجية معيار تفرقة بين الأفراد والدول؟ هل الإنتاجية هدف الحياة والمجتمعات الإنسانية؟ هل الإنتاجية مفيدة دائما أم أنها أحيانا مضرة؟ هل الإنتاجية غاية أم أنها وسيلة؟ هل حقا نحتاج الإنتاجية؟ أليس ممكنا أن تكون قيمة الإنتاجية واحتياجنا لها هي مجرد وهم صنعته الاستهلاكية؟

          تاريخيا، حققت كثير  من الحضارات الإنسانية إنتاجية مرتفعة، لكن لم تكن للإنتاجية ذات القيمة والتقدير، والنظر إليها كمعيار مقارنة إلا في العصور الحديثة. ما قبل الحداثة، كان الدين، والأعراف، والقيم الروحية، والاجتماعية، والتركيب العرقي، والاجتماعي، والأسري هو قوام المقارنة، والتمييز ليس بين الأفراد لكن أيضا بين الشعوب. الإنتاجية لم يكن ينظر لها كهدف. كانت طريقة إشباع للاحتياجات الأساسية، ولتوفير الرفاهية للأعلي مكانة لكنها لم تكن طريقة تعريف الأعلى مكانة.

         هذا الاختلاف التاريخي، لا يحدد ما إذا كانت الإنتاجية معيار النجاح أو مفيدة أو ذات قيمة عظمي أم لا لكنه يجعلنا ندرك أن مكانة الإنتاجية في الثقافات الإنسانية ليست تلقائية؛ إنما هي متغير تاريخي، يستحق أن ونطرح تساؤلات بشأن حقيقة قيمته.

"الحرية مكفولة أكثر من اللازم"

       عندما قال السيسي  أن الحرية مكفولة أكثر من اللازم؛ لم يكن يمزح، ولم يكن يخدع محاوريه الأجانب عن وضع الحرية في مصر؛ إنما كان يعبر عن طريقة تفكير ما هو أكبر من النظام العسكري الحاكم لمصر؛ لقد كان يعبر عن طريقة تفكير مجتمع بأكمله.

      يمكن تحليل هذه العبارة بأن النظام العسكري المصري هو نظام قائم علي فكرة أن هناك قدر من الحرية لازم يستعمل في النقاش داخل الطبقات الأعلي من الحكم، وهنا يكون للحرية دور وظيفي تؤيده بالقدر المطلوب منها، ثم يجب علي من يخضعون للحكم تنفيذه دون اختيار مثل التجنيد الإجباري الذي ليس مسألة خيار فردي بل هو حكم واجب التنفيذ، ولا يمكن لأي شخص الخروج عنه. وتؤمن هذه الطريقة الوظيفية في التفكير بأن الحرية أكثر من اللازم تؤدي (ككل شيء أكثر من اللازم) إلي خروج المرؤسين عن رؤسائهم وعدم تحقيق المنظومة لأهدافها. وأهداف المنظومة ليست في عدم وجود فساد أو تحقيق النجاح علي المستوي الإنساني. هدف المنظومة هو الظهور بشكل ناجح رقميًا وإحصائيًا، والأهم هو الظهور بمظهر الانضباط، وعدم خروج أي مرؤوس عن رؤسائه بشكل محدد. ويري هذا التحليل أن المرؤوسين يخضعون للرئيس بسبب خوفهم الخروج عنه، وبسبب ترهيبهم.

          هذا التحليل السياسي الخارجي ليس تحليلاً خاطئًا؛ إنما هو تحليل ناقص ينظر من منظور واحد. هذا المنظور لا يري دور المجتمع في صياغة أفكار نظمه؛ هذا المنظور يستخف بالمرؤوسين، ويراهم مجرد عبيد جبناء. وهذا المنظور يطمس حقيقة أن أي نظام مهما بلغت درجة تخويفه أو ديكتاتوريته؛ إنما هو مجرد إنعكاس لأفكار غالبية مجتمعه. من يرون أن الشعب المصري غاضب من الوضع الاقتصادي، ولكنه يخاف الخروج علي النظام جاهل لحقيقة رغبة هذا المجتمع، وكون النظام الحالي هو أفضل تطبيق، وانعكاس لطريقة تفكير، ومباديء غالبية المجتمع المصري الذي يؤمن دائمًا أن حرية غيره "أكثر من اللازم."

         غالبية هذا المجتمع تميل لطريقة تفكير أبوية؛ يملك فيها الأب حق إجبار أبنائه علي فعل ما يؤمن به، مهما بلغ عمرهم؛ بل إنهم يرونه يمتلكهم، ويؤمنون أن الملكية هي قوام الحق. من "يمتلك" خادمة أو زوجة يؤمن هذا المجتمع في حقه علي إجبارها أن تفعل ما يريده هو، وأن تكون علي الصورة التي يريدها. من "يمتلك" طلابًا يؤمن المجتمع بحقه أن يجبرهم أن يسمعوه أراءه الشخصية في أوراق إجابتهم. وتؤمن غالبية هذا المجتمع بحق الإله الذي خلق البشر؛ لأنه خلقهم بأن يعذبهم كما يشاء، ويفرض عليهم الأحكام التي يريدها، ويجب أن يخضعوا له، وحقه إن خرجوا عن أحكامه (حتي التافه منها مثل الطعام) أن يعذبهم كما يحلو له؛ لأنه "يمتلكهم."

          وبجانب أصحاب السلطة مثل الأب، والمخدوم، والزوج، والمعلم، والإله، والحاكم؛ فالمجتمع يؤمن بحقوق كل فرد في فرض أفكار المجتمع، والدين بالقوة علي كل فرد خارج عنهم. المجتمع يري أن حق كل فرد أن يوجه المرأة التي تسير في الشارع بملابس "غير لائقة اجتماعيًا أو دينيًا" أن ترتدي ما يريده هذا المجتمع. المجتمع يري أن حق المارين في الشارع أن يضربوا، ويهذبوا أي رجل منظره "شاذ" يسير في الشارع. المجتمع يؤمن بحقه طرد أو التبليغ عن أي امرأة تستضيف رجالاً في منزلها، وهي تعيش وحدها. المجتمع يري أن حقه أن يهذب أي رجل وامرأة يقفون معًا بطريقة "غير لائقة" في الشارع. المجتمع يؤمن بحق المرأة الوسطية أن تؤذي المنتقبة التي تمثل فكرا محافظا أكثر منه.

           ويري المجتمع أن كل من هو أقلية تصطدم مع أعراف الأغلبية يستحق أقصي عقوبة (تصل إلي درجة القتل) لاختلافه. المجتمع يري أن العقوبة الصحيحة للمثلي أو العاملة في الجنس أو الملحد أو الذين يقيمون علاقات جنسية خارج الزواج هو القتل، وهم أول من يؤيدون الدولة في سجنها واغتصابها لهؤلاء، بل يرون أن الإعدام، وليس السجن هو ما يستحقونه. المجتمع يرفض حرية الفرد في تغيير دينه، ويرفض حرية أصحاب الديانات في الزواج بأصحاب الديانات الأخرى، ويرفض الاعتراف بأي صاحب دين غير إبراهيمي. المجتمع لا يعترف بحرية أي شخص يمثل أقلية في فعل ما ينافي أفكار ومعتقدات الأغلبية. المجتمع يؤمن بمنطق الأكثر قوة يفرض قانونه بالقوة علي الأضعف، ويجلد الأضعف لو تجرأ، وخرج عن حكمه.

        عندما أقول المجتمع لا أعني فقط الغالبية المؤمنة ب"الوسطية" المصرية الأصيلة. بعض الملحدين لا يؤمنون بحقوق السلفيين، والمنتقبات. بعض اليسار لا يؤمنون بحقوق الإسلاميين، والإسلاميون لا يؤمنون بحق غيرهم في عدم انطباق نظام فكري لا يؤمنون به عليهم. والمثليون الذين يريدون حقوقهم لا يؤمنون بحقوق العاملون والعاملات في الجنس أو الراغبين في التعدد.

       هذا المجتمع لا يؤمن بالحرية كقيمة مطلقة أو مبدأ انساني؛ هو  أصلا لا يؤمن بالمباديء الإنسانية. هذا المجتمع الذي صنع هذه الدولة القمعية هو مجتمع قمعي يؤمن أن الحرية له لازمة لفرض سلطته لكن حرية الآخر دائما "أكثر من اللازم."