السبت، 19 مارس 2016

دليلك للوسطية الجميلة- كتابتي بمشاركة أمنية فراج- منشور في مجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد أكتوبر 2015


    الشعب المصري متدين بطبعه بعيد كل البعد عن التطرف؛ لأنه ببساطة شعب وسطي جميل. ولكن لا تحسب الوسطية الجميلة بالأمر السهل؛ إنها ميزة خاصة خالصة للمواطن المصري الحقيقي، لا يتمتع بها سواه.   لذلك اعددنا هذا الدليل الذي يحتوي على اهم مواصفات ومواقف المصري الوسطي الجميل. ليطمئن قلب القارئ انه  مواطن مصري حقيقي غير مشوه الهوية، لم تتلوث وسطيته بالأفكار الصهيوغربية الماسونية، ولا الأفكار الوهابية المتطرفة المتاّمرين علي هويتنا المصرية الوسطية الجميلة.
   الوسطية الجميلة تعكس عبقرية للمصري الوسطي الجميل حتى في تسميتها التي تعكس مبادئها الأساسية. فقد سميت بالوسطية لأنها تقسم الأنسان من المنتصف، فالجزء الأعلي ليس مهمًا بل خطيرًا نظرا لما يحوي من اعضاء خطيرة كالعقل الذي يدفع الإنسان الي التفكير في افكار تهدد الأمن العام وتكدر سلام المجتمع.  أما الجزء الأسفل فهو الجزء الأهم حيث ان صونه هو مرجعيتك الأولي، و الأخيرة في تبني الأفكار، إتخاذ القرارات، والحكم علي الاّخرين.
     كما سميت بالوسطية الجميلة لأنها تقسم الحقوق و الحريات من المنتصف، فتجعلك تري و تقدس حقوق و حريات ذوي السلطة كالأب و الحاكم، و تغض الطرف عندما يتعلق الأمر بحقوق و حريات المحكومين والأبناء. كما تجعلك تري حقوق وحريات كل من يوافقون رأيك، ومن يمثلون الأغلبية، وتغض الطرف عندما يتعلق الأمر بحقوق وحريات المختلفين عنك في الرأي، و من يمثلون الأقلية.
    من اهم مبادئ الوسطية الجميلة انها لا تعترف بحقوق من هو ليس ذكرًا أبًا مسلمًا متزوجًا ثريًا محافظًا وطنيًا (يعني مؤيد للنظام) مصري بسماره و لونه مصري (مش أسود) يسير جنب الحيط (جوه الحيط لو أمكن) ذو ميول جنسية غيرية سليم الجسد (مش من ذوي الاحتياجات الخاصة)، يتراوح وزنه بين 70 و 90 كيلوجرام، و لا يقل عمره عن ستين عامًا.
يتسامح المصري الوسطي الجميل مع الإخوة وشركاء الوطن من المسلمين والأقباط؛ فنري شيخ الأزهر يهنيء الإخوة الأقباط بأعيادهم، ونري البابا يحتضن شيخ الأزهر في الاحتفلات الوطنية، والأعياد الدينية. لكن المصري الوسطي الجميل لا يمكن أن يتسامح أو يسمح قط بانتشار الأفكار الكافرة الغريبة علي هويتنا المتدينة مثل الإلحاد، والتشيع، والبهائية. كما أنه من ناحية أخري لا يمكن أن يسمح قط بانتشار الأفكار الغريبة علي تديننا المعتدل مثل الوهابية المتطرفة.
    ربما تتسأءل  كيف يواجه المصري الوسطي الجميل المعتدل هذه الأفكار الغريبة عن هويتنا المصرية المتدينة الوسطية المعتدلة؟ أجيبك بنموذج من سلوك شباب جامعة قناة السويس الوسطي الجميل عندما وجد زميله في الدفعة- ذلك الكافر المنحل شريف جابر- يرد علي استاذه ويدافع عن المثليين، و قرأ ما يكتبه من كفر و ازدراء للدين الإسلامي، ذهبوا بأنفسهم برفقة استاذه الجليل للإبلاغ عن ذلك الكافر حتى تتحقق العدالة عليه كما هو الحال في بلدنا الحبيب. لذلك تم الحكم بالسجن لمدة عام على الطالب شريف جابر لمجرد الإختلاف في العقيدة. هذا هو الوسطي الجميل الذى يلجا للحلول الأمنية بدلا من النقاش العقلاني، حقا الشعوب على دين ملوكها.  هذه هي سماحة المصري الوسطي الجميل مع إخوة و شركاء الوطن، و جسارته أمام أعداء الدين و الوطن، الذين يزدرون الدين، و يهددون أمن الوطن.

أما بالنسبة للهيئة فيجب تقسيم الدليل إلي قسمين ليناسب الجنسين لأن المصري الوسطي الجميل يؤمن بالفروق الطبيعية بين الرجل و المرأة. فبالنسبة للرجل الوسطي الجميل فهو معتدل في كل شيء حتي مظهره بحيث لا يعكس أفكار غربية غريبة عن ثقافتنا، ولا أفكار وهابية متشددة متخلفة عن ركب الحضارة. فلا تري المصري الوسطي المعتدل من مخنثي المنظر الذين يرتدون الجينز الضيق الملون أو يطيلون شعورهم كالنساء، كما لا تراه مرتديًا الجلباب القصير أو مطيلاً لذقنه.

أما بالنسبة للمرأة المرأة المصرية الوسطية الجميلة فهي لا ترتدي هي الأخري ملابس تعبر عن أفكار الغرب المنحل أو الوهابية المتطرفة. فهي لا ترتدي ملابس عارية، بل تكتفي بالنصف كم ، و التنورة أسفل الركبة، أما إن كانت محجبة، فهي ترتدي حجابًا معتدلاً لا يفصل جسدها، وليس متطرفًا مثل الطرح الواسعة (الخمار)،  كما أنها لا ترتدي ملابس تعبر عن النظرة الوهابية المتخلفة للمرأة مثل النقاب. ونظرا ان المرأة الوسطية الجميلة كالجوهرة بينما الرجل لا يعيبه إلا جيبة ومهما فعل فهو "راجل" يفعل ما يحلو له نجد ان محظورات المرأة اكثر كما ان هناك مواصفات خاصة للمرأة الوسطية الجميلة. فمن ضمن المحظورات الصبغات الملونة، والألوان الفاقعة، وكل ما هو غير مألوف، أو نموذج للفكرين الوهابي من ناحية، و الغربي المنحل من ناحية أخري.

 اما بالنسبة لباقي المواصفات فهي دقيقة للغاية، فبالنسبة للوضع الإجتماعي يجب عليها ان تكون متزوجة في سن مناسب (20-27)، وغير مطلقة أو أرملة. وبخصوص وظيفتها فالمرأة الوسطية الجميلة يجب ان تتذكر انها في نهاية المطاف زوجة وأم خلقت من اجل هذا ليس اكتر – ربما أقل-  ثم يأتي بعد ذلك اي اعتبارات اخرى. لذلك إذا أضطرت للعمل يجب عليها ان تكوت وظيفتها مناسبة لطبيعتها الخاصة جدا كمرأة  فيستحسن ان تعمل كمعلمة، طبية، اوممرضة وألا تعمل في الوظائف القيادية التي هي اولى للرجال.
ولأن الفتاه ماهي إلا سمعة ولأن "شرف البنت زي عود الكبريت" يجب ع المرأة الوسطية الجميلة ان تكون محترمة، ليس لها علاقات، تتحدث بصوت منخفض، تتصرف برقة، وأنوثة، وحياء، تطيع والدها،  وأخيها، وخالها، وخطيبها، وزوجها وكل ما هو مذكر في حياتها كما يجب ان تكون متدينة تدين معتدل

قد يتسأل البعض كيف تضمن المرأة المصرية الوسطية الجميلة الزواج؟  والإجابة هنا في غاية البساطة فإذا كانت تتحلي بالوسطية الجميلة، فحتمًا ستجد وسطيًا جميلاً يرضي بها. وهي- وفقا للتربية الوسطية الجميلة-  كذلك تعرف كيف تتصرف في الأفراح والليالي الملاح، وكيف تتحلي بالحياء، ولا ترقص حتي تدعي للرقص، وعندما ترقص تعرف كيف تقف قرب العروسة لتظهر في شريط الفرح، كما أنها تعرف ماذا ترتدي في هذه المناسبات، وكمية المساحيق التجميلية المطلوبة. وأهم شيء أنها تعرف كيف تجذب عيني أم زوج المستقبل التي جاءت إلي الفرح خصيصًا ا للبحث عن المصرية الوسطية الجميلة لابنها. إلم تعرف كل ذلك فهي ليست امرأة قبل أن تكون وسطية جميلة، ولا تستحق الزواج، وبالتالي لا تستحق لقب المصرية الوسطية الجميلة.

أما بالنسبة لما يخص أراء المصري الوسطي الجميل بما بتعلق بميول الاخرين الجنسية فقد حزف هذا الجزء حفاظا على مشاعر القارئ الوسطي الجميل... ولكن لإصرار بعض الأشخاص غير الوسطيين الجميلين سنقول التالي بحياء. فالمصري الوسطي الجميل "ر اجل" ومش "شاذ" كما انه يكره كل "الشواذ" ويقوم بالتبليغ عنه كي يتلقنوا درسا لا ينسوه واكبر مثال على هذا تصرف "رجال" مصر مع ذلك "الشاذ" اللذي في شارع جامعة الدول العربية الذي ظن ان من حقه ان يسير في شوارع المحروسة بهذا المنظر. ولكن المصري الوسطي الجميل يؤيد –وبشده- التعديات الجنسة على المساجين من قبل ضباط الشرطة واللذي لا يعتبروه شذوذا على الإطلاق بل تأديب لهم.

المصري الوسطي الجميل "راجل".

أما بالنسبة لأراء المصري الوسطي الجميل السياسية  فصوته دائمًا ب "نعم"، يؤيد كل نظام، و يعرف أن كل حاكم هو أب له و لكل الشعب؛ ولأنه مصري وسطي جميل متربي في أسرة مصرية وسطية جميلة يؤمن أن الأب دائمًا يطاع، ويحق له تأديب أبنائه الخارجين عن طوعه بأي طريقة يراها مناسبة، وإن أصر أبناؤه علي العصيان، فهم يستحقون الموت جزاء خطيئتهم هذه.  

ولوطنية المصري الوسطي الجميل، فهو يؤمن أن كل خائن يستحق الموت، و أن كل من يروجون أفكارًا صهيوغربية ماسونية أو وهابية إرهابية متطرفة هم خونة يستحقون الموت. ويؤيد بما يفعله رئيسه و جيشه الوطني من تخليص الوطن من أمثالهم، ويقدم كل عون لهم في أدائهم هذا الواجب الوطني، كأن يبلغ بنفسه عن من يشتبه في كونه من الخونة حتي وإن كان جاره.

هذا الدليل يوفر لك الخطوط العريضة؛ ليطمئن قلبك أنك مصري وسطي جميل. في حالة وجود أي استفسارات أخري، أرسل إلينا علي بريدنا الإلكتروني:

 wasatyagamila@tahyamasr.eg

تبادل الاعتمادية في الأنظمة القهرية- منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد نوفمبر 2015

     (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).
   
     يبدو من بعيد وكأن الحر الحقيقي في الأنظمة التي تغيب فيها المساواة هو "الأقوى"؛ مثل الرجل في المجتمع الذكوري، والثري في المجتمع الذي تغيب فيه المساواة المادية، والحاكم المستبد في النظام الديكتاتوري (حيث تغيب المساواة السياسية). هذا ما يبدو من الخارج، هذه هي الصورة السطحية للمجتمعات القهرية التي تغيب فيها إحدىصور (أو ربما كل صور) المساواة. لكن النظرة الأكثر تعمقًا لهذه الأنظمة تكشف حقيقة غريبة عنها. هذه الأنظمة لا تسلب الأضعف فقط الحرية، بل إن هيكلها والطريقة التي تعمل بها، تجرد كل فرد داخلها (حتى أقوي من فيها) من أي فرصة لبلوغ حرية حقيقية.كل فرد في هذه الأنظمة مسلوب حق الحرية. إنها أنظمة القمع للجميع. 
                                                                                             خلق الاعتمادية المتبادلة وغياب الحرية:
    إحدى كلمات السر لنظام اللا مساواة هي "الاعتمادية". غياب المساواة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بخلق اعتمادية متبادلة. لوجود نظام ذكوري قهري قمعي قوي يجب خلق درجة من الاعتمادية للمرأة على الرجل، يجب أن تكون المرأة مضطرة لاستخدام الرجل في أشياء ضرورية -أو على الأقل يجعلها المجتمع ضرورية-حتى لا تستطيع الاستغناء عن الرجل وتحدي سلطته. في مجتمعنا تحتاج المرأة إلى الرجل ماديًا، لكن حتى عندما تكون المرأة هي المعيلة لأسرتها، فإن المجتمع يجبرها على احتياج الرجل كغطاء اجتماعي، بدونه يسهل مهاجمتها أو تعريضها لضغط الرفض، التجريح أو التهميش (كعانس أو مطلقة أو أرملة). هذه الاعتمادية -احتياج الرجل كغطاء مادي أو اجتماعي-تجبر المرأة على الرضوخ لتحكم الرجل، وفرضه للإطار الذي يراه ملائمًا (طبقًا لمحيطه الاجتماعي) على تصرفاتها وحرياتها الاجتماعية والعملية والسياسية. هنا الاعتمادية المرأة على الرجل -والتي يبتدعها المجتمع-تسلب المرأة الحرية.
      هذه هي الناحية الأولي للصورة والتي يسهل رؤيتها، لكن هناك ناحية أخري، وهي خلق اعتمادية الرجل على المرأة. النظام الذكوري يفرض على الرجل أن يكون معتمدًا على المرأة في أمور رئيسية بحياته. الرجل في المجتمع الذكوري لا يقوم بالطبخ أو بالغسيل أو بالتنظيف؛ فهذه وظائف المرأة في المجتمع الذكوري. نتيجة تعود الرجل على خدمة المرأة (والدته،وأخته ثم زوجته) هي عجز الرجل عن القيام بهذه الأعمال الأساسية لحياته كإنسان، ووجود قدر كبير من اعتمادية الرجل على المرأة في المجتمع الذكوري. هذا يسلب الرجل قدرًا من حريته؛ لأنه يصير دائمًا مضطرًا للاستعانة بأحد[a1] . 
هذا النموذج يشابه ما يحدث في الأنظمة التي تغيب فيها المساواة المادية، وتتسع فيها الفجوة بين الأثرياء والفقراء. في هذه الأنظمة يسند للفقراء المهام التي تسند للمرأة في الأنظمة الذكورية. فيصير الخدم،وعمال النظافة، والطباخين العاديين من الطبقات الاجتماعية الأدنى. وبذلك يصير الأثرياء معتمدين على الفقراء، وعاجزين عن الاعتماد علي أنفسهم تمامًا في إدارة احتياجاتهم الأساسية مثل الطعام،والإقامة في مكان لا يهدد الصحة بسبب قذارته.
هذان نموذجان عن كيف تفرض أنظمة اللا مساواة الاعتمادية المتبادلة بين الأضعف والأقوى، وكيف يؤدي ذلك إلى غياب الحرية لكلا الطرفين.
الأدوار التي تفرضها أنظمة اللا مساواة على الأفراد وغياب الحرية:
الأدوار المختلفة التي تفرضها أنظمة اللا مساواة على الأفراد تسلب الأضعف،والأقوى بعض حرياتهم. الرجل في الأنظمة الذكورية مسلوب حقه في اختيار القيام بأدوار أنثوية كما هو صعب علي المرأة أن تختار القيام بأدوار ذكورية. الرجل ينتقد إذا أبدي رقة وحنانًا أو عبر عن مشاعره بالبكاء، والمرأة تنتقد إذا حاولت أن تبدي صلابة. يصعب على الرجل أن يكون طموحه أن يعمل ممرضًا أو مربي أطفال، كما يصعب على المرأة أن تحلم أن تصير أركان حرب. الفكرة ليست أن المجتمع يمنع الرجل أن يصير ممرضًا أو مربيًا، ولا أنه يمنع المرأة أن تعمل بالجيش فقط؛ الموضوع أعمق من ذلك. المجتمع يفرض على الرجل والمرأة صورة محددة للنفس يصعب تخيل سواها. المجتمع يفقد أفراده فرصة تخيل أنفسهم في دور يخالف ما يفرضه عليهم.
      نعود لنموذج الفقراء والأغنياء؛ في مجتمع تغيب فيه المساواة المادية يصعب على الثري/ة أن يحلم/تحلم بالعمل بوظيفة غير ملائمة لمركزه/ا المادي مثل الخدمة، والتربية، والطبخ، والتنظيف، والتمريض. الثري/ة سيكون/ستكون عاجزًا/ عاجزةً عن مجرد التفكير في مثل هذه الفرص؛ لأنه/ا سيتصور/ستتصور أن هذه الأعمال بالضرورة غير ملائمة؛ لأن المجتمع يضع هذه الأعمال في المرتبة السفلي.وطبعًا يصعبعلى الفقير/ة أن يحلم/تحلم بتولي مجلس إدارة شركة.
      حتى في أنظمة لا مساواة أخري (مثل اللا مساواة السياسية) نجد الأقوى مضطرًا أن يلعب دورًا واحدًا يسلبه حق لعب أدوار أخري. فالديكتاتور لا يستطيع أن يقوم بأعمال أو يرتدي ملابس أو يتحدث بطريقة تدمر صورته القوية العنيفة أو الأبوية. الديكتاتور ملزم بالحفاظ على شكل خارجي له بأي ثمن يدفعه من حريته. الديكتاتور مسلوب الحرية.
الفارق ما بين الاعتمادية والعمل الجماعي-الفارق ما بين الأنظمة القهرية وأنظمة المساواة:
 يمكن الجدال بأن كل نظام اجتماعي إنساني يتطلب مساعدة فرد أو مجموعة أفراد لفرد اّخر أو مجموعة أخري، وأن هذه هي طبيعة المجتمعات البشرية، وليست طبيعة خاصة للأنظمة القهرية، بل إن المجتمع فكرته هي تبادل الأدوار، وتبادل المساعدة.
      لكن مشكلة هذه الحجة أنها تخلط بين المساعدة والاعتمادية[a2] . الاعتمادية هي عجز عن الاستغناء عن المساعدة، وخاصة في أمور أساسية في حياة الفرد. أنظمة المساواة لا تختفي فيها المساعدة، والعمل الجماعي، لكن تختفي فيها الاعتمادية،وعجز الأفراد عن الاستغناء عن بعضهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بأساسيات حياتهم. ولا يفرض على أي فرد الإقدام أو الامتناع عن أي دور محدد بما يحد حريته/ا[a3] .
      يمكن للبعض أن يجادل بأن الأنانية طبيعة بشرية (اعتمادًا علي رأي هوبز)، و أن خلق الاعتمادية و الإلزام بالمسؤولية ضروري؛ لأن المساعدة تحدث بإرادة فردية حرة، و الإرادة الحرة للأناني/ة لن تؤدي بالضرورة إلي المساعدة. يمكن انتقاد أساس هذا الرأي بانتقاد الافتراض القائم عليه بأن طبيعة البشر أنانية. الأنانية أو التضحية و الفداء صفات تزرع من المجتمع داخل أفراده. مثل هذه الصفات ليست جزءًا من طبيعة الإنسان بل هي نتاج إطار اجتماعي محدد. و حتي إن افترضنا أن الأنانية صفة طبيعية لا اجتماعية، فهذا لا يعني خلق الاعتمادية اجتماعيًا لعلاج اّثار الأنانية. يمكن للمجتمع أن يحفذ أفراده علي المشاركة و العمل الجماعي، دون أن يفرض عليهم دورًا محددًا، و طريقة محددة لهذه المشاركة، و بشكل تمييزي.
    يمكن في مجتمع تتحقق فيه المساواة المادية أن تتواجد أعمال مثل عامل/ة النظافة في الأماكن العامة، لكن في هذا المجتمع لن تكون هذه الأعمال مغنية عن قدرة ومسؤولية كل فرد في التنظيف لنفسه/ا، وتنظيف كل ما يوسخه/توسخه حتى خارج نطاق منزله/ا الخاص. وأيضًا لن يكون العمل كعامل/ة نظافة أو ممرض/ة أو طباخ/ة حكرًا على طبقة بعينها، بل سيكون لكل فرد حق أن يطمح/تطمح لشغل هذه الوظيفة؛ لأن هذه الوظيفة لن تكون أدني من وظيفة الوزير.
     في مجتمع تتحقق فيه المساواة الجندرية، لن يكون الرجل معتمدًا على المرأة أو العكس؛ لأن المرأة لن تحتاج رجلاً كغطاء مادي أو اجتماعي، والرجل لن يحتاج امرأة لتقوم بالمهام الأساسية في حياته. لكن في هذا المجتمع يمكن للرجل، والمرأة أن يتعاونا في أي مجال، دون أن يكون هناك دورًا محددًا مفروضًعلى أحدهم.
    العمل الجماعي أو المشاركة يجب أن يأتي من موقف يكون فيه العاملون أو المتشاركون قادرين على الاعتماد على أنفسهم، فيكونون أحرارًا بصدق، وإلا صار العمل الجماعي أو المشاركة نتيجة لاعتمادية، وفقدان للحرية.[a4] 
عن ارتباط الحرية بالمساواة:
الجدال الرئيسي في هذا المقال أن تحقيق الحرية للجميع مرتبط بتحقيق المساواة بين الجميع، وضمان أن كل فرد قادر/ة على الحياة دون اعتماد (خلقه المجتمع) علىاّخر/أخري. فبدون وجود مساواة حقيقية بين أفراد المجتمع، توجد اعتمادية متبادلة من الضعيف على القوي، والعكس،وهذه الاعتمادية تؤدي لغياب حرية جميع أفراد المجتمع.
      المجتمع الذي يختار انعدام المساواة بين الجميع يختار معها القمع للجميع. المجتمع يختار،وأفراده الأقوياء،والضعفاء يؤيدون، يؤيدون ظلمهم[a5] ، يؤيدون عبوديتهم.



السبت، 20 فبراير 2016

غدًا سننام جميعًا في التخشيبة

(هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

    منذ فترة قصيرة كتبت مقالاً بعنوان "إلم ندافع الان فالأشرف أن نعتزل الكتابة إلي الأبد". كتبت عن أحمد ناجي و كيف يواجه السجن بسبب عمل أدبي يري المجتمع أنه ضد أفكار الأغلبية عن "الأخلاق" و "القيم الاجتماعية" و يخدش الحياء العام. كتبت حينها أننا إلم ندافع ضد الجريمة التي ترتكب في حق ناجي، فإننا غدًا سندفع الثمن جميعًا؛ لأن كل منا مهدد/ة باعتبار ما يكتبه/تكتبه خدشًا للحياء العام. 

      الاّن رسميًا صار هذا الخطر قائمًا. نحن لسنا أحرارًا، قلمنا مهدد بالقصف في أي لحظة. حكم علي أحمد ناجي بسنتين سجن لأجل فصل من رواية اعتبره أحد القراء "خادشًا لحيائه" فقدم بلاغًا ضده. كل من يؤيدون الاّن ما يحدث مع أحمد ناجي و غيره من الكتاب و الفنانين و المنتجين و الممثليين و مقدمي البرامج، ستدور عليه الأيام و يدفع ثمن رفض المجتمع أو بالأحري غالبية المجتمع لكتابته. 

       إما أن نقاوم جميعًا ضد قمع المجتمع و الدولة للقلم، و إما أن ننام جميعًا غدًا في التخشيبة.
 
      

الجمعة، 1 يناير 2016

نسبية القيم و حرية الأفراد أمام المجتمع و الدولة

       (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      لا يوجد مجتمع يقر تمامًا بحرية الفرد في حياته/ا الشخصية. كل مجتمع لديه قواعد محددة لحرية الأفراد في حياتهم الشخصية، و يفرضها من خلال عدد من المؤسسات أكثرها وضوحًا هو الدولة (كذراع المجتمع السياسية). حتي المجتمعات التي توصف بالفردية، و تقديس الفرد علي حساب المجتمع –المجتمعات الأوروبية- تضع حدودًا علي ممارسة الأفراد لحرياتهم الشخصية. هذه الحدود ليست "حرية الاّخر/ي" أو "عدم إيذاء الاّخر/ي" فقط، بل هي كذلك تتعلق بمفاهيم المجتمع. علي سبيل المثال، لا تقبل هذه المجتمعات بفكرة التعدد الزوجي، و لا بزواج أفراد العائلة الواحدة.
      هل هذا صواب؟ هل يفترض أن تقيد الحريات الشخصية لأسباب غير الحفاظ علي حرية الأّخر/ي و حقه/ا في عدم إيذائه/ا؟ هذا المقال يدافع عن رفض أي قيد علي الحرية إلا في حدود حماية حق الاّخر/ي في عدم إيذائه/ا. هذا المقال ضد تدخل الدولة في حياة الأفرد الشخصية ماداموا لا يؤذون غيرهم.
أولاً: نسبية القيم:         "هل هناك فعل في حياة الأفراد الشخصية صوابًا أو خطأ مطلقًا؟"
أ-نماذج علي اختلاف أنظمة النكاح و الطلاق تاريخيًا و اجتماعيًا:
       قبول فعل معين في حياة الأفراد الشخصية مسألة إطار اجتماعي و تاريخي. في مصر الفرعونية، كان زواج أفراد العائلة الواحدة، و التعدد كحق للزوج (خاصة في العائلة الملكية) أمرين مقبولين اجتماعيًا (سواءًا زواج الأخ بالأخت أو الأب بالبنت)، و لدينا نماذج كثيرة لهذين النظامين الزوجيين مثل زواج إخناتون بابنته أو زواج رمسيس الثاني بعدد مهول من النساء. كذلك يري بعض علماء المصريات أن المثلية وجدت كنظام اجتماعي، و أول مثليين في التاريخ عاشوا سويًا أمام المجتمع، وجدوا في مصر الفرعونية "حنمحوتب ونيانخم مزيني" . حتي الطلاق –الذي لم يكن محببًا- وجد في مصر الفرعونية كنظام لإنهاء الزواج.
       في غضون العصور الإسلامية، تغير نظام المجتمع عدة مرات. في بعض العصور، كان هناك تقبل للمثلية، و نظم قريبة من البغاء كجزء من النساق الاجتماعي، لكن في عصور أخري رفض تمامًا تقبل هاذين النظامين.
       في حقب تاريخية مختلفة، كان هناك تقبل من بعض القبائل في أسيا، و أفريقيا، و أمريكا اللاتينية لفكرة زواج المرأة بأكثر من رجل. و حتي الاّن في إقليم التبت، و في بعض القبائل الهندية يستمر هذا الشكل من أشكال الزواج.  
       في أوروبا، خلال القرون الوسطي، و حتي أواخر القرن العشرين، كان ينظر للمثلية علي أنها خطيئة. و للغرابة، في ذلك الوقت، كانت بعض المجتمعات الإسلامية في بعض العصور (العصر العباسي) أكثر تقبلاً للمثلية. في أواخر القرن العشرين، حدث تحول في أوروبا لتقبل المثلية، بينما ازدادت كراهية، و رفض المجتمعات العربية للمثلية.
      حتي الطلاق (انحلال عقد الزواج) تقبل المجتمعات المحتلفة له عبر العصور تغير. المجتمع العربي في العصور الوسطي (قبل الإسلام و بعده) كان متقبلاً لفكرة الطلاق-حتي و إن كانت مبغوضة- بينما كانت المجتمعات الأسيوية، و الأوروبية ترفضه رفضًا شديدًا في ذات الإطار التاريخي، و حتي القرن العشرين.
      يمكن الجدال بأن هذا الاختلاف مرتبط بالمجتمعات و العصور التاريخية، و لكنه لا مكان له في الأديان، فالأديان تضع معايير متشددة للعلاقات الجنسية، و لا تسمح بالخروج عنها باختلاف الأزمان. لكن هذا الجدال ليس صحيحًا بشكل مطلق. فالأديان الإبراهيمية كلها تقر بزواج أبناء و بنات اّدم –عليه السلام- و حواء، لكنها جميعًا (و في كل مذاهبها) ترفض زواج الإخوة و الأخوات، و تعتبره خطيئة "زنا محارم".  و رغم أن الإسلام سمح تاريخيًا بنظام ملك اليمين إلا أن شيوخ الأزهر في القرن الحادي و العشرين رفضوا عودة هذا النظام، و اعتبروه زنا.  و رغم أن المسيحية تاريخيًا رفضت المثلية إلا أن بعض الكنائس البروتستانتية في أواخر القرن العشرين، و أوائل القرن الحادي و العشرين، بدأت تأخذ منحني قبول للمثلية.
ب-نماذج علي اختلاف مفاهيم المجتمعات تاريخيًا و اجتماعيًا لعري و الحجاب و تقبلهما في الأماكن العامة:
       المجتمع المصري هو نموذج يسهل الوصف عليه عند التحدث عن تغير مفهوم العري، و تقبله اجتماعيًا. المجتمع المصري كان يقبل خلال الستينات و السبعينات درجة من درجات العري مثل ارتداء التنوارات متناهية القصر في الشارع، لكنه تغير تدريجيًا لفرض قدر من الحشمة ثم الحجاب في الثمانينيات و التسعينات و مطلع القرن الحادي و العشرين.
        المجتمع الياباني نموذج أكثر جذبًا للإنتباه. في كتاب "اليابان في عيون مصرية" قال الكاتب أن المجتمع الياباني، لم يرفض العري تاريخيًا إلا عندما صدرت إليه أفكار أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر. و تحدث الكاتب عن الحمام الياباني الذي ينزل فيه الرجال و النساء معًا في عري كامل (رغم أنه ليس مكانًا جنسيًا).
        حتي تعريف العري اختلف علي مر العصور، و يختلف بين مختلف المجتمعات. ففي بعض المجتمعات الأفريقية، يعتبر عري الثدي شيئًا مقبولاً اجتماعيًا، بينما هو ليس كذلك في الدول العربية أو الأوروبية. و بينما يعتبر عري قدر من الساق مقبولاً في المجتمعات الأوروبية، فهو ليس بذات درجة التقبل في المجتمعات الأفريقية التي تقبل كشف الثدي. و في مصر الفروعونية، كان عري الثدي مقبولاً في المجتمع، لكنه بالطبع رفض تمامًا في مصر بدءًا من العصور الرومانية.
       أما عن الحجاب، و تقبله أو رفضه اجتماعيًا، فأقرب نموذج لذلك هو تجريم فرنسا لارتداء المرأة للنقاب. تركيا، و تونس كذلك كانتا تضعان قيودًا علي حرية النساء في ارتداء الحجاب. ففي تركيا، لم يكن يسمح للمحجبات بدخول حرم الجامعة، و في تونس كان يفرض علي المرأة، خلع الحجاب عند دخلوها لمشفي حكومي. هذا بالطبع مختلف تمامًا عن الوضع في دول عربية و أسيوية، و أفريقية بل و أوروبية أخري، حيث يعتبر الحجاب و النقاب أمرًا مقبولاً قانونًا، و لا يرفضه المجتمع بشكل عام.
ج- هل يعني اختلاف القيم في مجتمعات و حقب تاريخية مختلفة عدم وجود صواب أو خطأ؟
       يصعب الجزم. ربما توجد أفعال و أفكار مختلفة، لكن هذا لا يعني أن كلها صواب أو خطأ أو أن بعضها صواب، و بعضها خطأ. قد تكون جميعًا خطأ أو صوابًا أو قد يكون بعضها صوابًا و بعضها خطأ. لكن الفكرة أنه يصعب إيجاد أرضية محددة يحكم من خلالها علي بعض الأفعال علي أنها خطأ، و بعضها علي أنها صواب بدون أن يكون ذلك الحكم منحازًا من جانبنا طبقًا للإطار الاجتماعي و التاريخي الذي نشأنا فيه.
ثانيًا: المجتمع، حرية الأفراد، و دور الدولة:
        ولأنه يصعب –بل ربما يستحيل- إيجاد حكم غير منحاز بصواب أو خطأ فعل معين مرتبط بالحياة الشخصية خارج إطاره التاريخي و الاجتماعي، فإنه شبه يستحيل الحكم بأن هناك فعل متعلق بالحياة الشخصية صواب أو خطأ مطلقًا. سيكون دائمًا لدي كل فرد، و كل مجتمع تصور لما هو صواب، و ما هو خطأ في الحياة الشخصية، لكن هذا التصور لا يمكن تعميمه –بل لا أساس قوي- لتعميمه علي الجميع.
        المجتمع كيان ديكتاتوري، يريد أن يفرض علي الأفراد مفهومًا واحدًا للصواب و الخطأ هو مفهوم الأغلبية، و يريد للجميع الالتزام به، و يفرض هذا النموذج عن طريق رفض المختلفين عن هذا النموذج، و إقصائهم، و الترويج ضدهم بمؤسسات مثل التعليم و الإعلام، و أخيرًا بقهرهم باستعمال سلطة الدولة كالطرف الوحيد الذي يحتكر استخدام القوة في المجتمع. المجتمع يدعي أن تصرف الأفراد في حياتهم الشخصية يهدد أمنه. هذه مجرد حجة يختلقها المجتمع لإيجاد تبرير لجرائمه ضد حرية الأفراد، و الأبشع ضد حقوق الأفراد كبشر. المجتمع عندما ينقض علي الأفراد لاختلافهم عن الأغلبية، لا يمنعهم في الحقيقة من فعل الأفعال التي تراها الأغلبية خطأ؛ فالأفراد غالبًا يفعلونها في الظلام. كل ما يفعله المجتمع، هو إجبار الأفراد المختلفين عن الأغلبية علي العيش في الظلام، و النبذ، و العذاب الداخلي. و عندما يفضح الأفراد المختلفون يكون مصيرهم التعذيب بأسواط المجتمع المختلفة –طبقًا لنوع اختلافهم- سواءًا بسوط الإبعاد، و النبذ، و الإقصاء، و انتهاك الحقوق أو بسوط الدولة مثل منعهم من الحقوق القانونية أو اعتبارهم مجرمين يستحقون الغرامة أو السجن أو التعذيب أو الإعدام.
       الدولة هنا مجرد أحد أسلحة المجتمع ضد الأفراد الذين لا يتناسب ما يفعلونه في حياتهم الشخصية مع معايير المجتمع في لحظة زمنية محددة لما هو صواب و ما هو خطأ. و ربما لو عاشوا في مجتمع اّخر أو حتي نفس المجتمع في وقت مختلف، لكانوا هم الأغلبية، و الأغلبية هي الأقلية التي يضطهدونها.
          عدم تدخل الدولة في حياة الأفراد الشخصية هو الذي يضمن قدرًا من الحرية، و العدالة للأفراد أمام المجتمع الذي يخضع لجبروت فكر الأغلبية. أجل، الأفضل أن يترك كل فرد ليقرر/ تقرر ما يريده/ تريده في حياته/ا الشخصية، و ألا تعطي الدولة امتيازات لمن تتفق طريقة حياتهم مع فكر المجتمع علي غيرهم (و بالطبع ألا تتضطهد من يختلفون في حياتهم الشخصية عن معايير الصواب و الخطأ التي تضعها الأغلبية). لا يجب أن تقف الدولة أمام أي حرية شخصية إلا في حالة الاعتداء، و الفرض مثل الاغتصاب أو التحرش أو زواج أو دعارة القصر. و  السبب في رفض زواج و دعارة القصر أن القصر لا يملكون إرادتهم و وعيهم بل يفرض عليهم قرار اّخرين، و لأنه يمكن لهم الانتظار حتي إتمام السن القانونية، بمعني اّخر حقهم لا يسلب، لكنه يؤجل.
        هذا ضمان حتي لا يعاني، و يضطهد الأفراد لاختلافهم عن الأغلبية، والأغلبية لا تمتلك احتكار الحقيقة المطلقة. حتي إن كانت الأغلبية تملك في يدها الدين، فالدين نفسه لا يجب أن يفرض علي الجميع؛ لأنه ليس الجميع يؤمن به. هذا ضمان لقدر من العدالة، و الإنصاف للأفراد أمام الأغلبية، للضعيف أمام الأقوي.


        

السبت، 12 ديسمبر 2015

إلم ندافع الاّن فلأشرف أن نعتزل الكتابة إلي الأبد.

   (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

    منذ فترة طويلة ابتعدت عن قلمي. قرار واعٍ، نابع من أسباب عميقة و تراكمات ألم. أردت الابتعاد حتي أخفف عن نفسي الضغط، و الألم. أردت أن أرحم نفسي التي عذبتها معي في قتالي، نفسي التي تستحق مني الرحمة، نفسي التي عندما تنفجر، و تنتقم، تعرف كيف ترديني أرضًا. أردت ألا أظلمها أكثر، قابتعدت.

    ابتعدت كذلك؛ لأنني أردت أن أتغير، و أغير أسلوب كتابتي. ابتعدت؛ لأنني عدت أشعر أننا صحنا كثيرًا، و قلنا كل ما يمكن أن يقال، و لا تؤثر كلماتنا الاّن. لا أحد يريد أن يسمع/تسمع.

       و ابتعدت؛ لأنني تعبت، تعبت بعمق.

      لكنني الاّن يجب أن أكتب، إلم أكتب الاّن، فسأكون قد خنت أهم مباديء قلمي. إلم أكتب الأّن، فربما من الشرف أن أعتزل الكتابة للأبد. إلم أدافع عن حرية القلم، فلا يحق لي حمله. شرف القلم حريته، و إلم أدافع عن حريته، سأتنازل عن شرفه، و إن تنازلت عن شرفه، لا أملك شيئًا من شرف حمله.

       ما يحدث الاّن مع أحمد ناجي تهديد لكل قلم. كل كاتب/ة يصمت/تصمت عما يحدث مع أحمد ناجي مهدد/ة أن يأتي يوم، و يقصف قلمه/ا، مهدد/ة أن يلقي/تلقي السجن  عقوبة لكلمة حررها قلمه/ا. أحمد ناجي مهدد بالسجن (هو و طارق طاهر رئيس تحرير مجلة الأدب) لنشره فصلاً من روايته  بمجلة الأدب. لم يعجب الفصل أحد القراء، فبكل بساطة قدم بلاغًا ضد أحمد ناجي و لقي بلاغه إهتمامًا أمنيًا، و اليوم كانت محاكمة أحمد ناجي و طارق طاهر بتهمة "خدش الحياء العام"، و يوم 2 يناير الحكم في القضية.

        تهمة "خدش الحياء العام" تهمة مطاطة؛ لأن "الحياء العام" مفهوم مطاط و نسبي. يمكن بكل بساطة أن يعتقل أي كاتب/ة بهذه التهمة، و يجد نفسه/ا في السجن بسبب عمل أدبي حر. لا يمكن لأديب/ة أن يظن/تظن نفسه/ا محصن/ة من هذه التهمة بحجة إلتزامه/ا ب"الأخلاقيات العامة"، ف"الأخلاقيات العامة" أيضًا مفهوم مطاط و نسبي، و يمكن لأحد القراء رؤية عمل أي كاتب/ة كعمل فاجر أو خادش للحياء أو داعٍ للفتنة، و بموجب تهمة "خدش الحياء العام"، يمكن أن يجد أي كاتب/ة نفسه/ا في السجن، لأنه/ا لم يرضِ/ترضِ ذوق أحد القراء. هذا تهديد عنيف لحرية القلم. هذه جلدة تهدف لارتعاش الأقلام. كل كاتب/ة قد يخاف/تخاف انتقاد الأفكار الدينية أو الاجتماعية بشكل مباشر، و صريح خشية الملاحقة القضائية.

        إن صمتنا الاّن عما يحدث مع أحمد ناجي، فسنخاف جميعًا غدًأ الكلمة حتي المتخيلة، و الأشرف لنا أن نعتزل الاّن عن رؤية ذلك اليوم.

           الكتابة جزء عميق مني، مهما طال بعدي عنه، سأعود إليه ذات يوم. مهما طال بعدي عن قلمي أعود. و لن أسمح لنفسي أن أخسر احترامي أمام نفسي، أو صدقي مع قلمي. و الأشرف، و الأصدق مع قلمي إن صمت علي قهر حريته أن أتركه. و ما دمت أتمسك بقلمي كجزء من روحي، و مادمت أتمسك بشرفه، فلن أصمت.عن حريته. لن أصمت عن حق كل كاتب/ة في التعبير عن رأيته/ا، و لا في تحدي المجتمع بنقد الواقع أو بالخيال.

          لأجل شرف القلم، أدافع عن أحمد ناجي. لأجل شرف القلم يجب أن نقاتل حتي النهاية دفاعًا عن حرية القلم أو لنحترمه و نتركه للأبد.

           أحب القلم،
           اخترت القتال.

http://albedaiah.com/news/2015/10/31/99467

السبت، 15 أغسطس 2015

بالأمس كانت ذكري خيانتنا -متي نكسر الدائرة؟

(هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      منذ ما يزيد عن عامين، كتبت هذا المقال وقت فض ميداني رابعة و النهضة تحت عنوان "الاّن ثبتت خيانتنا":

"       الاّن ثبتت خيانتنا. الاّن أثبتنا أننا خنا القيم التي قاتلنا لأجلها ، و قبلنا الضرب بها عرض الحائط لأجل التخلص من ما تبقي من صداع الإخوان. الاّن لا تعنينا حرية ، و لا عدالة ، و لا ديمقراطية ، و لا حتي إنسانية ، لا نأبه لأي منهم ،لا نهتم.
     نري فض الاعتصام أمام أعيننا علي الشاشات داخل بيوتنا فنبرره بل و نصفق له بكل حرارة. لا نتذكر أبدًا أننا كنا منذ أقل من شهرين مستعدين لقلب وطننا رأسًَا علي عقب إن هوجمت مظاهرة أو اعتصام واحد لنا ضد نظام مرسي .نسينا بل تناسينا بسرعة كل ما وقفنا ضده بصلابة،تغاضينا بسهولة عن ما فتحنا صدورنا للنيران لأجله.
     كاذبون. نحن الكاذبون.
     مجددًا أطرح السؤال ، هل كنا سنقبل بفض اعتصامنا ضد مرسي أو المجلس العسكري أو مبارك من قبل ؟ هل كنا سنتعاطف مع الفض و نعتبره قانوني؟ لماذا لم نعتبر الاعتصام لأشهر في التحرير ضد المجلس العسكري ثم مرسي جريمة أو وقف لحال سكان عقارات التحرير ؟
     هل نقول الاّن أننا مختلفون ؟ هل نقول أنهم إرهابيون يحملون السلاح و نحن سلميون حقًا ؟
    إن كنا نقول ذلك فلنتذكر ماذا كان يقال عنا من قبل .
   ألم يقل نظام مبارك أن الثوار أصحاب أجندات خاصة و أجنبية أي خونة ؟
  ألم يقل المجلس العسكري "خونة" بتدريب خارجي علي معارضيه ؟   
ألم يقل إخوان مرسي علي كل من ضدهم فلول و منحلون كفرة ؟      
الأّن يقال علي أنصار مرسي إرهابيون.
   كل نظامٍ لديه تهمة للمعارضين تبرر له القمع، بدونها سيعري عن حقيقته ، سيكشف الستر عن الوجه القبيح ، عن عمامة السلطان الجائر ، عن اليدين الملطختين بالدم.
     لا أعلم إن كان هناك سلاح في يد المتظاهرين فعلاً أم لا مع أن معي شهادة أحد أقربائي داخل رابعة العدوية برؤيته للسلاح بعينيه. لا أعرف إن كان السلاح ملك أغلب المتظاهرين أم عناصر بينهم. لكني أعرف أن هذا يلزم بإلقاء القبض علي المسلحين و التصدي لهم إن لزم الأمر بالسلاح، لكنه لا يبيح أبدًا قتل المدنيين العزل الذين يدافعون عن أرائهم و أفكارهم أيًا كانت. في 25 يناير ، و المظاهرات ضد المجلس العسكري ثم المظاهرات ضد مرسي ، في كل الأوقات كانت هناك شبهة عناصر مسلحة بين المتظاهرين لكن ذلك لم يكن شفيعًا لدينا ضد ما تعرض له المتظاهرون السلميون ، فسيكون ازدوجًا أن يشفع الاّن.
        أقولها ثانية ، لنكن صادقين قليلاً مع أنفسنا و نقف ضد ما يحدث الاّن كما وقفنا ضد ما شابهه في الماضي ، حتي لا نكون كاذبين ، حتي لا نحمل دم أحد ، حتي لا تدور علينا الدائرة ثانية ذات يوم و نجد التهم توجه إلينا ، نجد غيرنا يصفق و دماؤنا تسيل،تضيع وسط صوت التصفيق."

         لم أنشر ذلك المقال حينها، لكن تأكد لي كل يوم أنني كنت محقة. كل يوم حمل لي إيمانًا يقينيًا أن كل ما مررنا به من قمع هو ثمن لحظة خيانة مبادئنا، و قبولنا بالظلم، و القمع لمن نراه خطأ. تلك اللحظة، كانت لحظة حاسمة؛ لأنها حملت إشارة لشكل مصر ما بعد فض ميداني رابعة و النهضة، ليست مصر الظلم، و القمع فقط، لكن مصر الفاشية، مصر التي يقبل كل فرد فيها إضطهاد الاّخر/ي، بل يصفق، و يطبل له، مصر التي تدهس فيها كل أقلية؛ لأن الأغلبية تراها خطأ.

         اليسار دفع ثمن خيانته لمبادئه، و الغالبية الكاسحة من نشطائه يقبعون خلف القضبان الاّن. اليسار دفع ثمن أنه في لحظة وافق أن يبيع إيمانه بالحرية، و العدالة للتخلص من اّخر يرفضه، و يريد الانتقام منه. و كل أقلية في مصر وجدت نفسها تدفع ثمن كونها أقلية، و ربما كذلك ثمن قبول الكثيرين فيها باضطهاد الاّخر/ي. الإخوان دفعوا ثمن ما فعلوه قبل و أثناء بقائهم في السلطة، و عانوا الظلم و القمع، و القتل،  القانوني و غير القانوني، و بدأ كثيرون منهم يؤمن بالحل العنيف. الملحدون و مختلفي الميول الجنسية و الجندرية بدأت حملة قاسية ضدهم، بل أقسي من أس حملة حدثت في عصر ميارك أو مرسي. جميع الثوريين الحقيقيين بغض النظر عن توجههم السياسي لقوا حتفهم أو أعتقلوا أو هربوا خارج مصر أو اضطروا لقبول الأمر الواقع القمعي و تغيير أسلوبهم أو أحبطوا و اّمنوا ألا أمل من قضية التغيير في مصر.

          كل ظلم خلفه لحظة تنازل عن المباديء، لحظة يقبل فيها بظلم الاّخر/ي، و سلبه/ا لحقه/ا. الظلم دائرة، و نحن ندفع ثمن دعمنا للظلم. كما قبلنا بظلم الاّخر، يقبل غيرنا ظلمنا. لن نحيا في وطن عدل أو حرية أو أمان بصدق حتي يكسر أحد الدائرة، حتي يرفض أحد الظلم للاّخر/ي مهما راّه خطأ.

          لن نتحرر حتي نكسر الدائرة.
      
            

الأحد، 17 مايو 2015

اخلع/ي قناعك-اليوم العالمي ضد رهاب المثلية

       (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      الخوف من الاّخر/ي دائمًا خلفه درجات مختلفة من الجهل. مجتمعنا يجبرنا أن نرتدي أقنعة تحجب وجوهنا الحقيقية عن بعضنا البعض، لنظل جميعًا مناسبين للصورة الواحدة المفروضة التي نرسمها علي القناع. و أحيانًا يصل قمع المجتمع إلي ضغطنا لنرتدي هذه الأقنعة أمام المراّة، لنخادع أنفسنا و نجعلها تؤمن أن صورتنا الحقيقية هي الصورة المرسومة علي القناع، الصورة التي يريدها المجتمع.  تظل حقيقتنا سجينة خلف القناع، لذلك يصعب أن نعرف بعضنا، أن نعرف صورتنا الحقيقية.
         أغلب أزمات اضطهاد الأقليات سببها الجهل بحقيقتها. الأقليات تنغلق في مجتمعات صغيرة و ترتدي أمام المجتمع الكبير أقنعة، بل أحيانًا تطمس حقيقتها و تدعي أنها جزء من الأغلبية (وهذا يحدث مع الأقليات الجنسية و الجندرية بالذات). هذا يسهل علي المجتمع الكبير اضطهادها، بل و أحيانًا إنكار وجودها. الخوف خلفه الجهل بالأقلية و التفكير فيها كعدو خطير يهدد الأغلبية لا كبشر من لحم و دم نقابلهم كل يوم، و ربما جزء منا يشابهم.
           الأقليات الجنسية و الجندرية في العالم العربي تعيش في الغالبية الكاسحة من الحالات في الظلام، تجبر علي ارتداء أقنعة كاذبة أمام المجتمع و أحيانًا أمام مراّتها. أحيانًا يعاني المثليون و المثليات من خوف من أنفسهم هو انعكاس لخوف المجتمع منهم. المجتمع يراهم خطرًا يهدد أمنه، يراهم أقلية صغيرة تختار الفسوق و تهدد بنيانه. الأفراد يظنونهم بالضرورة متحرشين و منحرفين. لا أحد يتخيل/تتخيل أن علي الأقل واحد/ة من كل عشرة يعرفهم/تعرفهم مثلي/ة أو مزدوج الميل الجنسي أو مضطرب/ة الهوية الجندرية.
            ما يعمق الخوف أنه نادرًا ما يواجه/ تواجه مثلي/ة أو مزدوج الميل الجنسي أو مضطرب/ة الهوية الجندرية المجتمع. نادرًا ما يمنح الأفراد فرصة معرفة إنسان/ة من لحم و دم من الأقلية التي يظنونها بعيدة و منحرفة و شاذة و متحرشة. نادرًا ما يمنح الأفراد فرصة الشعور بمعاناة مختلفي الميول الجنسية و الجندرية و حقيقة أوضاعهم و اّلامهم. نادرًا ما يمنح الأفراد فرصة التواصل الإنساني مع المختلف/ة.
             أعلم أن هذا صعب، و لا يناسب الجميع، لكن الحل الحقيقي أن يظهر مختلفي الميول الجنسية و الجندرية و يواجهوا المجتمع و يعرفوا من حولهم أنفسهم كبشر لا كمجرد فكرة يحتقرونها. الحل أن نبدأ حوارًا حقيقيًا مع من حولنا حول إنسانية مختلفي الميول الجنسية و الجندرية. المواجهة صعبة، لكن المواجهة بإنسانيتنا هي الخيار الوحيد ليعرفنا المجتمع كبشر، و فقط عندما يعرفنا كبشر سيمكن أن يتخطي كثيرًا من خوفه منا.