الثلاثاء، 17 مايو 2016

لماذا يجب أن تحب نفسك مهما وصمها المجتمع؟-منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد مايو 2016

   (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة). 

  خلال العامين الماضيين من حياتي مررت بصراعات شخصية كثيرة تعلمت خلالها الكثير من الدروس عن البشر، و صراعاتهم مع المجتمع. واحد من أهم الدروس التي تعلمتها أن واحدًا من أشرس الصراعات المشتركة بين البشر بمختلف مجتمعاتهم هو صراع قبول الذات في مجتمع يرفضها.هذا الصراع أكثر من يمرون به هم الأقليات.
      عندما تكون/ين من إحدي الأقليات بالمجتمع (خاصة الأقليات الأكثر رفضًا اجتماعيًا كالملحدين في الدول المدعية للتدين)، تعاني/ن من صراعات كثيرة دائمة، مثل صراع مواجهة المجتمع، صراع تحدي المجتمع، صراع استجداء حب- بل وحتي قبول المجتمع- لاختلافك. أحيانًا تصل/ين لمرحلة تحدي للمجتمع، و إعلان للهوية، و رغبة التمرد علي المجتمع بأي طريقة، و أحيانًا يحدث العكس، فتحاول/ين ارتداء قناع الأغلبية حتي تنال/ين الحب أو حتي أدني قبول.
       هذا يحدث مع الكثيرين من مختلف الأقليات، و الجماعات المضطهدة؛ يحدث مع المتحولين الدينيين و الملحدين و أصحاب ديانة الأقلية في المجتعات المدعية للتدين، و مختلفي الميول الجنسية و الجندرية في المجتمعات التي تدعي المحافظة، المطلقات و العاذبات في المجتمعات التقليدية، الأقلية العرقية، المعاقين، النساء، الطبقات الأكثر فقرًا؛ إلي اّخره. كل هؤلاء قد يجدون أنفسهم مضطرين إلي التمرد، و الثورة علي المجتمع أو الانصياع له أو ارتداء الأقنعة التي ترضيه، و تجعله يحن عليهم بالقبول المشروط، لا الحب. سواءًا كان الخيار التمرد و الثورة أو الانصياع أو ارتداء أقنعة، في كل هذه الحالات، يواجه الأفراد صراعًا أعمق هو صراع قبول الذات، و حبها.
      كيف تقبل متحولة جنسية نفسها في مجتمع يرفضها، و يسخر منها، و في أحسن الفروض يراها مريضة نفسية تحتاج العلاج؟ كيف يقبل مسيحي نفسه في مجتمع "مسلم" يتعرض فيه في كثير من الأماكن بدءًا من المدرسة للتخويف من الجحيم؛ لأنه ليس مسلمًا؟ كيف تقبل معاقة نفسها في مجتمع يراها عالة علي غيرها، و تسبب التعب لكل من حولها إن كان لها طموح؟ كيف يقبل شاب من الطبقات الأكثر فقرًا نفسه في مجتمع يقول له أن قيمته كإنسان يحددها ما يملكه، و أن حياة أمثاله لا تساوي شيئًا لأحد؟
        كل هؤلاء و غيرهم يعرفون معني صراع تقبل الذات، و حبها، و بعضهم لا يصلون لذلك الحب قط.
        قد تسألني: لماذا يجب أن تحب/ي نفسك مهما وصمها المجتمع؟ لماذا إن كنت أيًا من هؤلاء أو غيرهم يجب أن تحب/ي نفسك رغم أن الكل لا يراها مستحقة للحب، و لا حتي القبول علي مضض؟ هل تستحق/ين الحب؟ هل الحب حق لك؟
         سأسلك أنا: "هل كنت سترفض/ين الاّخرين إن كانوا مختلفين مثلك؟"
          إن كانت الإجابة ب"لا"؛ فأنت تظلم/ين نفسك لأنك لا تطبق/ين عليها نفس المعيار الذي تطبقه/تطبقينه علي الاّخرين؛ ترفض/ين نفسك لسبب، ما كنت لترفض/ي الاّخرين عليه.أما إن كانت الإجابة ب"نعم"، فهنا يجب أن نتناقش بعمق: "هل الاختلاف يجعل الفرد مستحقًا للرفض أو لسلبه/ا حق الحب؟"
        أكره الوعظ، أكره أن أحدث غيري عن ما يجب أن يفعلوا، أكره التحدث لأحد وكأنه/ا أدني مني، و يحتاج/تحتاج مني لنصيحة. أنا لست أعلي من أحد، أنا مررت برفض الذات، و كراهيتها من قبل بسبب ضغط المجتمع، و أعرف كم يصعب قبولها، و حبها وسط كراهية الجميع لها، لكنني تعلمت بعض الدروس، و وجدت بعضها الإجابات التي استطيع أن أشاركها معك.
         تعلمت أن الحب حق لكل إنسان لمجرد كونه إنسانًا بغض النظر عن أي شيء اّخر. كيركجارد الفيلسوف المسيحي تحدث عن ذلك الحب غير المشروط الذي يستحقه كل إنسان كفكرة مسيحية. لكن حتي إن كان كيركجارد مخطئًا في مصدر فكرته المسيحية، لكن الفكرة نفسها صحيحة. كل إنسان/ة يستحق/تستحق الحب. أنت إنسان/ة؛ لذلك تستحق/ين الحب. قد لا يمنحك المجتمع بأكمله حقك في الحب، لكن لا تظلم/ي نفسك، و تحرميها من حقها عليك في الحب.
         يمكن أن تجادلني/تجادلينني، و تقول/ين أن البشر ليسوا متساووين ليستحقوا جميعًا الحب؛ فبعض البشر مجرمين لا يستحقون ما يستحقه الاّخرون. لكنني سأرد أن قيمة البشر لا علاقة لها بهوياتهم أو بأفعالهم حتي، بل مصدرها مجرد كونهم بشرًا، و هذه القيمة واحدة من الأسباب الأساسية لاستحقاقهم جميعًا للحب. حتي إن أجرم البشر، و استحقوا العقوبة علي جريمة ما؛ فهذا لا يسبلهم قيمتهم كبشر، و لا يسلبهم حقهم في الحب لمجرد كونهم بشرًا. حتي إن كنت تري/ن نفسك اّثم/ة أو حتي مجرم/ة، فهذا لا يعطيك الحق لتسلب/ين نفسك الحب أو القيمة الإنسانية، فما بالك إلم تكون/ي أصلاً مجرمًا/مجرمةً بل مجرد مختلف/ة يرفض المجتمع قبول اختلافه/ا. الاختلاف مهما كان حجمه لا يمكن أن يبرر سلب البشر حق الحب. الاختلاف حتي لو حول البشر لبشر سيئين -و هو أمر لا أؤمن به-؛ فإنه لا ينتزع منهم صفة "البشرية".
           هل ما يفعله المجتمع معيار للحق؟ هل يفترض بك أن تفعل/ي ما يفعله المجتمع لمجرد أن المجتمع يفعله؟ المجتمع مجموعة بشر قد يخطؤن و قد يصيبون، و ليسوا مصدرًا مطلقًا لأي حقيقة أو حق. أن المجتمع يرفضك أو يكرهك، لا يجعل رفضك حقًا. لا يجب عليك أن تسير/ي علي هوي المجتمع أو تقديراته أو أفعاله أو مشاعره. أن المجتمع يرفضك أو يكرهك، لا يجب أن يكون مصدرًا لرفضك أو كراهيتك لنفسك. تذكر/ي، المجتمع ليس الحق. إن كرهك العالم كله، سيبقي حقك أن تحب/ي، سيبقي حق نفسك عليك أن تحبها/تحبيها.
            هل حب الذات يعني ألا تسمح/ين أبدًا لها أن تتغيير؟ علي الإطلاق؛ ذاتنا تتغيير في أوقات، و ظروف مختلفة في حياتنا، و عندما تتغيير يجب أن نقبلها، و نحبها حتي في تغييرها. من نحبهم لا يثبتون أبدًا بل يتغييرون باستمرار؛ لأنهم بشر، و البشر متغييرون. نحن أيضًا بشر، و قد نتغيير، و يجب أن نحب أنفسنا مهما تغييرت. أحيانًا يمكنننا أن نساعدها حتي تصير أفضل-إن كان ذلك في إيدينا-؛ كي لا تظلمنا، و لا تظلم أحدًا سوانا، و لكن في كل الأحوال، كل الأوقات، كل الظروف، و كل الصور يجب أن نظل نحبها؛ لأنها في كل صورة، نفس إنسان/ة.
            
        

المثلي/ة كإنسان/ة-اليوم العالمي ضد رهاب المثلية

     (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

    الإنسانية تعني أن تري الإنسان/ة كإنسان/ة بغض النظر عن أي صفة فيه/ا. الإنسانية تعني أن تكون هوية الإنسان كإنسان مستقلة تمامًا عن أي صفة أخري يتصف بها. الإنسانية تقتضي أن تكون حقوق الإنسان/ة كإنسان/ة مستحقة له/ا بغض النظر عن أي صفة شخصية لذلك/تلك الإنسان/ة. كثيرون يقبلون حقوق الإنسان، لكن عندما يتطرق الأمر لشخص يحمل هوية يختلفون معها، يخونون مبادءهم الإنسانية، و يحرمون ذلك الشخص من حقوقه، و حرياته الأساسية. حينها لا يرونه كإنسان بل يرونه كمجرد فكرة أو هوية واحدة يرفضونها، و يريدون محاربتها، و يحاربون الإنسان في حربهم لها.
         المثلية فكرة كأي فكرة أخري، هناك من يرفضونها، و هناك من يقبلونها، هناك مجتمعات و لحظات تاريخية قبلت فيها، و مجتمعات،و لحظات تاريخية أخري رفضت فيها. و دائمًا يدفع/تدفع الإنسان/ة المثلي/ة ثمن تغيير المجتمع، و الأفراد مع أو ضد الفكرة. المثلي/ة الذي/التي عاش/ت في العصر العباسي الذي قبلت فيه المثلية، لم يضطر/تضطر إلي دفع ثمن اجتماعي و سياسي باهظ لجزء صغير من هويته/ا كالذي/التي يعيش/تعيش في هذه اللحظة التاريخية بالعالم العربي. المثلي/ة الذي/التي يعيش/تعيش في السودان أو أوغندا، يدفع/تدفع ثمنًا غاليًا مقارنة بالمثلي/ة الذي/التي قدر له/ا أن يولد/تولد بالنرويج مثلاً. الأزمة أن الإنسان يدفع ثمن رفض المجتمع لفكرة تشكل جزءًا ضئيلاً جدًا من هويته/ا.
            الأزمة الحقيقية هي النظرة للإنسان/ة علي أنه/ا تجسد لفكرة مرفوضة، لا كإنسان/ة من لحم، و دم له/ا حقوق إنسانية كأي إنسان/ة اّخر/ي. المثلي/ة يبرر المجتمع قمعه، و تعذيبه، و رفضه، و حتي سجنه، و اغتصابه؛ لأن المجتمع يراه تجسدًا لفكرة يرفضها. المجتمع المزدوج يعامل المثلية بشكل مختلفة عن المثلي (و لا يعني ذلك أن اضطهاده لها أقل)، لكن يعني فقط أنه يعذبها بطريقة مختلفة؛ لأنه ينظر لها كمصدر شهوة، و لذة، و إثارة.
   حقوق الإنسان/ة يجب أن تكون مستقلة عن ما يمثله/تمثله الإنسان/ة من أفكار. حقوق الإنسان مصدرها الأول قيمة الإنسان كإنسان. سواءًا كانت المثلية صحيحة أو خاطئة، فذلك لا علاقة له البتة بحقوق الإنسان/ة المثلي/ة؛ لأن حقوق المثلي/ة لا تستمد من جزء صغير، و تافه من هويته/ا (الميل الجنسي) إنما تستمد من كونه/ا إنسان/ة. و الإعتداء علي حقوق المثلي/ة ليس اعتداءًا علي حقوق مثلي/ة إنما هو اعتداء علي حقوق إنسان/ة.
          حتي إن كنت تري/ن أن المثلية خطأ أو خطيئة، و المثلي/ة مخطيء/ة أو اّثم/ة، فهذا لا يعطيك حق سلبه/ا حقوقه/ا و حرياته/ا كإنسان/ة؛ لأن أساس هذه الحقوق و الحريات هي إنسانيته/ا،و عندما تفقده/ا حرياته/ا، و حقوقه/ا تصير/ين أنت المعتدي/ة؛ لأنك تعتدي/ن علي حقوق إنسان/ة. 

الجمعة، 6 مايو 2016

عن حماية الهوية الجندرية لهويات أخري-منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد إبريل 2016

      (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

     الهويات باختلافها مرتبطة ببعضها وتعمل على حماية أحدها الاّخر. مؤسسات الهويات المختلفة في مجتمع ما تقوي بعضها،وتحمي أحدها الاّخر من التلاشي أو الوهن. مؤسسة الدولة مثلاً تحمي مؤسسة الأسرة في كل مجتمع مهما اختلف تعريف هذا المجتمع للأسرة، وإيمان الأفراد بانتمائهم لمجتمع معين -بأفكار معينة عن الأسرة-يحمي الهوية السياسية للدولة. على سبيل المثال، إيمان الأفراد بهويتهم الاجتماعية المصرية التقليدية بما تحويه هذه الهوية منأفكار سلطان وجبروت وتحكم الأب يجعلهم متقبلين أحيانًا لسلطان وجبروت الحاكم الديكتاتور إذا أتقن تمثيل دور الأب مثل عبد الناصر. الحفاظ علي إيمان الأشخاص بهويتهم الاجتماعية المصرية يكفل الحفاظ على الهوية السياسية للدولة، والهوية الفكرية السياسية لشعب يؤمن بفكرة الحاكم الديكتاتور الأب. في حالة انهيار فكرة انتماء الأفراد للأفكار الاجتماعية المصرية، وشعورهم بانتمائهم لأفكار مجتمع اّخر، قد تتأثر بشكل أو باّخر الهوية السياسية للدولة، والهوية الفكرية السياسية للأفراد بحيث يفقدون الإيمان بالديكتاتور الأب؛ لأنهم ما عادوا يؤمنون أصلاً بالصورة المصريةللأب في الأسرة.
         هذا نموذج على حماية الهويات المختلفة لبعضها البعض. الهوية الجندرية أيضًا مؤسسة اجتماعية تلعب دورًا في حماية هويات أخري، وتحميها هويات أخري كذلك.
الهوية الجندرية في رأي كثير من علماء الاجتماع ليست طبيعية، بمعني اّخر المجتمع هو الذي يختار تشكيلها. هي مختلفة عن الجنس البيولوجي الذي يولد الفرد به، هي صفات مكتسبة اجتماعيًا–تختلف حسب المجتمع والفترة الزمنية-لكيف يجب أن يبدو الأفراد ذوي الجنس البيولوجي المعين. على سبيل المثال: الملبس؛ الزي الذكري والأنثوي أمر يختلف من مجتمع لأخر، فجلباب الرجل في المجتمع المصري يعتبر ثوبًا أنثويًا بالنسبة للأوروبي الذي لم ير رجلاً يرتديه من قبل. نموذج اّخر هو الأعمال التي يفرضها المجتمع على الذكر والأنثى والأعمال التي يحرم الذكر أو الأنثى منها في المجتمع. في المجتمعين الفارسي والمصري القديمين كان مقبولاً (بل في حالة المجتمع الفارسي القديم شائعًا) أن تتولي المرأة مناصب قيادية في الجيش، ولم يكن ينظر لذلك كعلامة تقليد للرجال لكن الأمر تغير في فترات تاريخية لاحقة في إيران، وبات مرفوضًا رفضًا باتًا في مصر حتى الاّن، وعلامة شديدة على تشبه المرأة بالرجل.
      ومن الجاذب للانتباه أن بعض المجتمعات في أوقات وظروف تاريخية معينة تقبل تبادل أدوار الرجل والمرأة وفي حالات أخري تقبل جندر ثالث. الحركة النسوية وحركة الدفاع عن حقوق الترانسجندر نماذج حديثة، بدأت من أوروبا وأمريكا، وهذا هجوم تقليدي عليها في المجتمعات العربية والأفريقية، لكن توجد تغييرات أخري حدثت تاريخيًا في مجتمعات أخري وفي أوقات تاريخية مختلفة. على سبيل المثال، خلال الفترة العثمانية تم منع الرقص الشرقي للإناث في مصر، وظهر مجموعة من الذكور يتخصصون في ارتداء ملابس الراقصات الشرقيات وتأدية العروض الشرقية، وتم تسميتهم ب “الخولات" وهذا هو المصدر التاريخية لهذه الكلمة التي استخدمت لاحقًا لإهانة المثليين.مثال اّخر هوفن الأوبرا في الصين؛ حيث يوجد ذكور يؤدون الأدوار النسائية في الأوبرا الصينية منذ بدايتها. مثال ثالث هو الهجرا في الهند، وهم طائفة من الذكور ميلادًا الذين يرتدون ملابس نسائية، وهم طائفة تاريخية هندوسية موجودة منذ مئات السنين.مثال رابعهو الجندر الثالث في تايلند؛ عرفت تايلندفكرة الجندر الثالث كجزء من الثقافة لعقود طويلة.
         السؤال هو لماذا رغم اختلاف الأفكار عن الجندر حسب المجتمع والفترة الزمنية تحرص المجتمعات بشدة على الحفاظ على الهوية الجندرية؟ ربما تكون الإجابة أن الهوية الجندرية تحمي هويات، ومؤسسات أخري. الحفاظ مثلاً على فكرة أن الأب هو صاحب القوة والسيطرة والتخويف، وأن الأم هي مصدر الحنان يحافظ على الهوية السياسية للدولة القائمة علي الحاكم الأب الديكتاتور. وحتى إن تغيير المجتمع ليقبل تولي المرأة الرئاسة (وهو احتمالضعيف) أو تولي المرأة لإدارة الأسرة في حالة غياب الأب، فيجب أن تلعب الجندر الذكوري، بمعني اّخر يجب أن تقدم نفسها كرئيسة فولاذية أو كأم قاسية في المنزل تستطيع السيطرة على أبنائها. بهذه الطريقة يتم الحفاظ على المؤسسات الأخرى الاجتماعية رغم التلاعب بمؤسسة الجندر. هل يعتبر هذا التلاعب تحطيم لمؤسسة الجندر؟ لا؛ إنه تغيير سطحي وفي حالات محدودة لمن يقوم بالدور الذكوري، لكنها ليست تحطيمًا للدور الذكوري. تحطيم فكرتا الذكورة والأنوثة يتطلب عدم حرص الرئيسة أو الأم على الظهور بمظهر معين يعكس أفكارًا اجتماعية معينة عن القوة والعنف، ولكن هذا يعني إهمال أفكار سياسية واجتماعية عن القوة والعنف هي جزء من الهوية السياسية والاجتماعية للدولةوالأفراد، وهنا تظهر حقيقة قوة الهوية الجندرية، فإذا سقطت الهوية الجندرية تمامًا سقطت معها هويات أخري اجتماعية وسياسية.
 الحفاظ على الهوية الجندرية ليس حكرًا على الفكر الاجتماعي التقليدي أو المحافظ بل هو سمة أيضًا في بعض أصحاب الاتجاهات اليسارية أو الليبرالية. بعض النساء اللاتي شاركن في الحركة النسائية حرصن على لعب الجندر الذكوري كنوع من التمرد على قمع المرأة. وبعض المثليينومزدوجي الميل الجنسي حرصوا على المبالغة في لعب الجندر الأنثوي كنوع من التمرد والتحدي للمجتمعات التقليدية التي ترفض المثلية وتربط بينهاوبين “التخنث" (بلغة هذه المجتمعات). بل إن بعض اليساريات واليساريين من خارج الحركات النسائية،والدفاع عن حقوق المثليين،ومزدوجي الميل الجنسي، حرصوا على تحدي الشكل التقليدي للجندر الذكوري والأنثوي من خلال تفاصيل معينة في الشكل ولغة الجسد، على سبيل المثال: تطويل الرجال للشعر، وقص النساء له. هنا الجندر هو أداة لحماية هوية سياسية معارضة للمجتمع، وجزء من منظومة فكرية تحارب الفكرالتقليدي. هنا الهوية الجندرية المختلفة والمتمردة أيضًا تحمي هويات أخري.
        أعتقد أن الأفراد يجب أن يختاروا بحرية الأشياء التي يردونها بصدق، ولا ينظرون إلى الجندر الذي تنتمي إليه. طالما في عقلهم الجندر الذي ينتمي إليه ما يختارونه فهم ليسوا أحرارًا بل حتى ثورتهم قيد على حريتهم. الهوية المحددة التي تختار لمجرد حماية هوية أخري هي قيد علي الحرية.

الخميس، 28 أبريل 2016

نظرية اللبانة- وهم دولة القانون- منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد يونيو 2015

       (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

      منذ عصر التنوير الأوروبي و مع ظهور الأفكار عن الدولة الحديثة (و بخاصة أفكار روسو عن العقد الاجتماعي)  تم الترويج و التصديق في أسطورة دولة القانون التي تستمد مشروعيتها من موافقة الأغلبية (ما يظن أنه الديمقراطية). اّمنت أوروبا بالأسطورة، و عملت علي تحقيقها، و مع بدء عصر الاستعمار، ثم النهضة -التي صاحبت مقاومة الاستعمار- في الدول النامية، تأثرت النخب في الدول النامية بالفكر الأوروبي، و تدريجيًا اّمنت الدول النامية بأن طريق النهضة هو إعادة بناء دولها بطريقة مشابهة لبناء الدول الأوروبية الحديثة؛ بالديمقراطية، و عماد دولة القانون.  كل ذلك ليس بالضرورة سلبيًا، بل ربما –من جوانب محددة- يعد تأثيرًا إيجابيًا للفكر الأوروبي علي فكر الدول النامية، لكن الكارثة هي الطريقة التي تم بها تطبيق، إعادة بناء كثير من تلك الدول.   
          كثير من الدول التي إدعت أنها تبنت فكرة "الدولة الحديثة" -التي وضع أسسها فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين وعلي رأسهم روسو- قامت ببناء هيكل ديكتاتوري مقنع بديمقراطية زائفة، أو ديكتاتورية مباشرة. و حتي عندما إدعت تلك الدول تبني مفهوم "العقد الاجتماعي" أو "دولة القانون" قامت بتفصيل القانون ليصير ملائمًا للإبقاء علي ملامح الدولة العتيقة الديكتاتورية. نماذج ذلك كثيرة جدًا في أفريقيا و أمريكا اللاتينية و الدول العربية في عصر ما بعد الاستقلال. و لكن ما يعنينا هنا هو مصر.
         مصر بالذات حالة دراسة ثرية جدًا. مرت مصر ببناء الدولة الحديثة علي الأفكار الأوروبية. شهدت مصر فترة تحول نسبي نحو شيء من الديمقراطية في العصر الملكي، و خسرت ذلك تمامًا بعد الحكم العسكري لمصر منذ 1952، لكن حتي تحت وطئة الديكتاتورية و الإقرار بحكم الفرد، ظلت أسطورة الدولة و وهم دولة القانون قائمين. و حتي هذه اللحظة هناك من يدافعون عن الإيمان بأن مصر دولة قانون.
         هؤلاء يؤمنون بأكذوبة روجت طويلاً، و صدقناها. و ليسوا جميعًا بلهاء أو جهلاء، بل أزمة بعضهم أنهم متعلمين و مثقفين! تعلموا أن يفكروا و يؤمنوا بالنظريات الفكرية و السياسية الأوروبية السائدة عالميًا (حتي اليوم) عن الدولة و القانون، و الأزمة أن يأتي التصديق و الإيمان بهذه الأفكار و الإقتناع أنها تنفذ، بدون النظر للحظة إلي الواقع. ليس الخلل في الأفكار، لكن في الحكم علي الواقع بموجب الأفكار. الأفكار مهمة في تقرير كيف يجب أن يكون الواقع، لا للحكم في كيف هو بالفعل.
          واقع الدول الديكتاتورية أكثر تعقيدًا بمراحل. الدولة الديكتاتورية الحديثة دولة بها قانون. نادرًا ما تفتقر دولة ديكتاتورية لقانون، أو تعمل بشكل خارج عن "المشروعية".  هذه الدول تفصل قوانيها حتي يكون فيها القمع و الظلم مشروعين. مصطلح "ترزية القوانين" المصري الشهير يشير إلي طبيعة القوانين التي تضعها الدولة الديكتاتورية، إنها قوانين مفصلة بدقة حتي لا تترك مخرجًا قانونيًا لتحقيق أي هدف يرخي قبضتها الصلبة علي الدولة. و أشهر مادة قانونية تصف ذلك هي المادة 76 من دستور 1971  و التي إتهمت بأنها فصلت لتكون علي مقاس جمال مبارك وحده في حال ترشحه للرئاسة.
        لكن حتي القوانين المفصلة يبقي بها ثغراتها التي تسمح للنشطاء السياسيين بالالتفاف عليها، و ابتكار طرق للمقاومة. مثلاً إن وجد قانون مفصل عن منع التظاهر، يمكن للنشطاء أن يدعوا لندوة و يهتفوا في الندوة. إن منع التجمهر،يمكن أن يترك التظاهر و التجمهر، و يلجأ لإجراء معارض، أو أحيانًا إرتداء لون معين أو رسم لوحات معينة. يجد النشطاء دائمًا طريقًا ليستحدثوا أساليب مقاومة خارج النطاق الضيق لخيوط القانون المفصل.
        لذلك تلجأ الدولة عتيدة الديكتاتورية إلي تحويل القوانين من ثوب ضيق مفصل و محبوك ليناسب مقاس واحد بعينه، و يخنق ما دونه داخله إلي "لبانة". أجل، لبانة. تكتسب قوانين الدول الديكتاتورية مرونة اللبانة، حيث يسمح لها أن تتمدد و تنكمش حسب الطلب. يمكن أن تؤول بأكثر من معني، و يمكن أن يدان بها أو يبرأ الكثيرون. من أمثلة هذه القوانين "قانون ازدراء الأديان" (يستخدم ضد المثقفين و الملحدين) و "إهانة رئيس الجمهورية" و "إهانة وزير الداخلية" و "التجمهر" و "التظاهر" (يستخدمون ضد النشطاء السياسيين) و "ممارسة الفجور" و "التحريض علي الفجور" (يستخدمون ضد المثليين و المتحوليين الجنسيين).
       قوة اللبانة الحقيقية أنها يمكن أن تستخدم وسيلة تهديد ضد أي أحد في أي لحظة. إنها تعطي الدولة حرية أن تتلاعب بالقانون كما يحلو لها فتقرص أذن من تشاء، و تعفو عن من تشاء، و تدين من تشاء، كما أنها تضيق فرص النشطاء في إيجاد ثقب في الثوب الخانق.
         من خلال القوانين المفصلة من ناحية و القوانين المطاطة من ناحية أخري تستطيع الدولة أن تتلاعب بالقانون كما يحلو لها. حينها يؤمن الكثيرون أن الدولة دولة قانون و تطبق القانون، يدافعون عنها، و يكون دفاعهم مدعومًا بأن كل قضية حكم فيها بموجب القانون، و هم محقون إلي حدٍ ما (إذا تجاهلنا ما يتم من انتهاكات لقانون الإجراءات الجنائية و الكفيل بإبطال الدعاوي). لكن هذا يحدث؛ لأنهم يبدأون بتقديس القانون بدون محاولة نقده أو النظر إلي مدي كونه عادلاً في إرسائه لمباديء عامة أم أنه يفصل علي مقاس محدد أو بمرونة تسمح بالهرب منه و في ذات الوقت (عند الطلب) الخنق به.
      الدولة الديكتاتورية الحديثة دولة قانون، لكن قانون مشوه، يفتقر للأفكار الأساسية وراء القانون أن يكون عادلاُ و منصفًا، و عامًا مجردًا لايستهدف أفراد بعينهم، و لا يصير لعبة في يد أي طرف يعبث بها كما يشاء. عندما يدافع أحد أمامك عن تطبيق الدولة الديكتاتورية للقانون، جادله في ذلك، لكن جادله قبل ذلك في تكوين القانون الذي تطبقه؛ هل هو منصف، و عادل لجميع الأطراف، و عام و مجرد أم مفصل علي مقاس طرف بعينه أو "لبانة" مطاطة تستوعب بطش السلطة كلما شاءت؟       
          

         

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

هل الدين نسبي أم مطلق؟

       (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

       كثير من أتباع و رجال الديانات المختلفة يدعون كثيرًا أن دياناتهم مطلقة، لكنهم علي أرض الواقع يتصرفون علي أنها نسبية دون وعي منهم. في أوقات كثيرة في حياتي، ظلمت الدين؛ لأنني كنت أراه ظالمًا، و لم أنظر للإطار التاريخي و الاجتماعي الذي ظهر فيه الدين أو مورس. حتي توصلت إلي فكرة أن الدين إطار اجتماعي، و تاريخي إلي حد كبير، و أن أحكامه نسبية لا مطلقة، و ذلك جعلني أكثر عدلاً في نظري، و تقيمي للديانات المختلفة، خاصة في أحكامها التي تعتبر في هذا الوقت التاريخي، و هذا المجتمع ظالمة.
        سيصدم الكثيرون عبارة أن الدين نسبي، و سيهاجمون بأن أحكام الدين مطلقة لا تتغير، لكن هذا يختلف عن الواقع. صحيح أن كثيرًا من أحكام الدين ثبتت في أوقات تاريخية، و مجتمعات مختلفة، لكن الكثير من أحكام الدين تغيرت من مجتمع لاّخر، و من وقت لاّخر. الأزهر ( و هو أكبر مؤسسة سنية في العالم الإسلامي) رفض مثلاً فكرة ملك اليمين عندما عادت للظهور منذ عدة سنوات، و قال أن مرتكبيها زناة، رغم أن ملك اليمين كان مقبولاً كصورة من صور النكاح في الإسلام. الأزهر تبني وجهة النظر التي تري أن المجتمع تغير، و لا يمكن قبول عودة نظام نكاح كهذا فيه. رجال الدين الشيعة في إيران مثلاً تقبولوا فكرة التحول الجنسي، و تعتبر إيران الدولة الثانية عالميًا في التحول الجنسي؛ مثل هذا الرأي لم يكن ليقبل في السابق من قبل رجال الدين الشيعة. حتي كثيرًا من الأحكام الدينية للشيعة كزواج المتعة المرفوضة تمامًا للسنة يمكن تفسير وجودها بالإطار الاجتماعي الذي نشأت فيه الذي يعتبر أكثر تقبلاً لأفكار اجتماعية منفتحة عن الإطار الاجتماعي للمجتمعات السنية. حتي في المجتمعات السنية، انتشار الفكر الوهابي في السعودية مثلاً، مقابل الفكر المالكي في تونس، مرتبط بالاختلاف التاريخي للمجتمعين إلي حد كبير.
        الإطار التاريخي، و الاجتماعي حدد كثيرًا من الاختلافات بين ديانات متقاربة مثل الديانات الإبراهيمية، كما أنه حدد الاختلافات بين المذاهب المختلفة داخل هذه الديانات. مثلاً الكاثوليكية ترفض الزواج بين أبناء العمومة، و تعتبره زنا محارم، لكن هذه الصورة للنكاح مقبولة لدي الأورثوذكس؛ لأن المجتمعات الأورثوذكسية (كمصر) شاع فيها زواج الأقارب تاريخيًا، بينما رفض تمامًا بالنسبة للمجتمعات الكاثوليكية (كروما) تاريخيًا، و نظر إليه بتقزز. اليهودية مثلاً تلزم المرأة التي ترملت بالزواج بأخ زوجها جبرًا عليها و علي أخ الزوج، بينما تري المسيحية ذلك زنا محارم، و يقبله الإسلام، لكن لا يلزم به. هذا الاختلاف نابع من اختلاف المجتمعات الثلاث. المجتمع اليهودي ظل لفترة طويلة يضطهد المرأة، و لم يكن للمرأة فرصة لأن تعيش بدون الزوج، و كانت المرأة ستتعرض للإهانة، و الخدمة، و الاستغلال إلم تجد زوجًا مسؤولاً عنها في ذلك المجتمع. أما المجتمعات العربية البدوية، فكان للمرأة قدرة مالية فيها إلي حد ما، و كان شائعًا فيها الزواج من أرملة الأخ، لذلك قبل الإسلام هذا الزواج، و لم يفرضه. أما المجتمعات المسيحية خاصة الغربية، فقد اعتبرت الزواج بمثابة امتداد أبدي للأسرة؛ لذلك رأت الزواج من أخ الزوج بمثابة زنا محارم. تعدد الزوجات مثلأً وجد في الإسلام، و اليهودية، و رفض رفضًا باتًا في المسيحية؛ لأن المجتمعين العربي البدوي، و اليهودي قبل فيهم التعدد، و استقر كمؤسسة اجتماعية، بينما كان مرفوضًا تمامًا، و فكرة غريبة عن المجتمعات المسيحية قبل المسيحية.
           حتي الأحكام الجنائية في اليهودية، و الإسلام يمكن بسهولة رؤية الإطار التاريخي، و الاجتماعي خلفها. كثير من الأحكام الإسلامية مثل الرجم للزناة، و الجلد، و قطع اليد للسارقين، و القصاص من القاتل أو الفدية كانت موجودة في المجتمع العربي البدوي قبل الإسلام أو في المجتمعات اليهودية. كل ما أضافه الإسلام (و هي إضافة ليست صغيرة) هو وضع قيود قوية علي تنفيذ هذه الحدود، و إثبات الجريمة فيها.
           حتي الأديان الغير إبراهيمية، ترتبط فيها الأحكام الدينية بالإطار الاجتماعي. المجتمع الهندي مثلاُ تقبل تاريخيًا قبل الاحتلال الإنجليزي المثلية، و التحول الجنسي؛ لذلك فكثير من طوائف الهندوسية تبنت المثلية، و التحول الجنسي، و جعلتهم جزءًا من  العبادات الدينية.
          هل تعني نسبية الدين أنه غير منزل من إله بل مجرد اختراع بشري طبقًا للإطار التاريخي و الاجتماعي؟ ليس بالضرورة؛ لأن الإله لن يختار أن ينزل دينًا لا يناسب المجتمع، و اللحظة التاريخية التي أنزل فيها. أي دين سيختلف جزريًا مع عادات و تقاليد المجتمع، و طبيعة اللحظة التاريخية مصيره الفشل، و حتمًا سيموت، بل ربما لن يقبل من المجتمع أصلاً. المصلحون الاجتماعيون لا يصدمون المجتمع بتغييرات جزرية مرة واحدة، بل يحاولون تغييره علي مراحل، و هناك أمور قد لا يحاولون قط طرحها مهما اّمنوا بها حتي لا يرفض المجتمع التغيير جزريًا. التغيير أيضًا في لحظات معينة قد يكون مسببًا لمزيد من الألم، لا تخفيفه. الإله –في التصور الديني- ليس أقل فهمًا من المصلحين الاجتماعيين، و لا يمكن أن ينزل دينًا يتناقض جزريًا مع المجتمع؛ لأنه يعلم أن المجتمع ببساطة لن يتبعه، أو في أفضل الفروض سيتلاعب به ليجعله علي مقاسه.
             فكرة نسبية الدين تعلمنا درسين؛ الدرس الأول هو  ألا نحكم علي الدين خارج نطاقه الزماني و الاجتماعي. علي سبيل المثال: لا يمكن أن نحاكم الإسلام علي دموية الحدود الإسلامية بمعاييرنا اليوم لحقوق الإنسان؛ لأنها ببساطة كانت جزءًا من النظام القانوني البدوي و اليهودي قبل الإسلام. لا يمكننا أن نحاكم اليهودية مثلاً لأحكامها الجائرة بمعايير اليوم علي حقوق المرأة؛ لأن المجتمع اليهودي أصلاً كان وضع المرأة فيه مزريًا. لا يمكننا أن نحاكم المسيحية مثلاً علي غياب فكرة الطلاق فيها؛ لأن المجتمعات التي أنزلت فيها المسيحية كانت فكرة الطلاق، و حل رباط الزوجية غريبة جدًا عليها.
           الدرس الثاني هو ألا نؤمن بأن أحكام أي دين لا يجب أن تتغير بتغير الظروف الاجتماعية، و الإطار التاريخي. بعض الأحكام الدينية عادلة إلي حد كبير في إطارها الزمني و الاجتماعي، و جائرة تمامًا خارجهما. هل يجب مثلاً أن نظل نطبق قسمة المواريث الإسلامية؛ حيث يحصل الذكر علي حظ أنثيين؟ هذه القاعدة سببها الاجتماعي هو مسؤولية الرجل عن الإنفاق علي الأسرة في المجتمع البدوي علاوة علي أنها تعد أصلاً تطورًا في ظل نظام اجتماعي أهدر حق المرأة في الذمة المالية المستقلة. لكن اليوم نسبة عالية من الأسر الأكثر فقرًا في مصر تتولي امرأة إعالتها تمامًا لا رجل. اليوم، فكرة مساواة المرأة بالرجل في الحقوق، و الواجبات صارت فكرة مطبقة في كثير من المجتمعات. هذا نموذج واحد عن تغيير المجتمع، و كيف يؤثر علي مدي عدالة قاعدة دينية في دين معين.
          

         

الاثنين، 25 أبريل 2016

بحقوق من تؤمن/ين؟

     (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

     في البداية ظننت أن الأزمة في حقوق فئة بعينها. حاربت، عرضت نفسي للألم، شارفت علي دخول السجن أكثر من مرة، و الأسوأ أنني عذبت نفسي من الداخل، و تحملت جرح الأقربين إليَ، كل ذلك دفاعًا عن حقوق كل من اّمنت أنهم أقلية أو مظلومون. دخلت مجتمعات كثيرة لأقليات مختلفة، و لمدافعين عن الحقوق و الحريات، حملت داخلي ألمهم؛ حملت داخلي ألم كل من شعرت بظلم المجتمع أو الدولة أو الدين أو جميعهم أو بعضهم له/ا. حاربت بحماسة، و ألم، و صدق مشاعر حقيقيين. دهست الخوف، و مررت بلحظات سحقني الألم.
            كل ذلك كان حتي عرفت الضياع، ضعت لما أدركت أنني لم أحارب لأجل الجميع حقًا. تعذبت لما عرفت أن الظلم لا يشمل فئة بعينها أو مجموعة فئات، بل إنه يشمل غالبية، إلم يكن جميع البشر. أمر بأزمة وجودية، و أنا أشعر بالعجز عن محاربة كل ظلم. لكن الدرس المؤلم الذي أكتب عنه الاّن هو أن الغالبية لا تعترف إلا بما يناسب أفكارها من حقوق، و تنكرالحقوق علي ما لا تؤمن به. الألم العميق أن المدافعين عن الحقوق و الحريات كثيرًا (إلم يكن غالبًا) ما يدافعون عن حقوق ما يؤمنون به، و يرفضون حقوق من يرونهم مجرمين، مذنبين أو حتي مخطئين.
            كثير من المسيحيين (بل و بعض المسلمين) يدافعون عن المسيحيين، لكنهم يرفضون حقوق الملحدين. كثير من الملحدين و المتشكيين الدينيين، و حتي بعض المسلمين اليسار يؤمنون بحقوق الملحدين، و اللادينيين، و البهائيين، لكنهم يرفضون حقوق الإخوان، و يؤيدون أي جريمة ترتكب مهما بلغت دمويتها ضد الإخوان. و غني عن القول أن كثيرًا من الإخوان ينادون كثيرًا بحقوقهم كبشر في المؤتمرات خارج مصر، لكنهم يرفضون حقوق معينة للملحدين أو اللادينيين أو المتحولين الدينيين أو طبعًا المثليين. كثير من اليسار يدافع عن حقوق الأقليات الدينية كلها، و الفقراء، و العمال، و الطلاب، و حتي الإخوان، لكنهم يرفضون بشدة حقوق المثليين، و المتحولين الجنسيين. كثير من المثليين، و المتحولين الجنسيين يقبلون بحقوقهم و حقوق الأقليات الدينية المختلفة، لكنهم يرفضون حقوق المعارضين السياسيين، و طبعًا الإسلاميين. حتي أولئك الذين يقبلون حقوق كل ما سبق، و يؤمنون بمفهوم شبه غربي للحقوق و الحريات، و يرون المجتمع قامعًا و متخلفًا، و الدولة مجرمة، يحتقرون النساء اللاتي تقبلن تعدد الزوجات، أو المحافظين اجتماعيًا، و يرونهم متخلفين، و يبصقون علي الداعرات، و الذين يتناولون المخدرات و يرونهم مجرمين يستحقون السجن.
            القليل حقًا يتبني مفهوم حرية الاّخر مهما أخطأ ما دام لا يؤذي أحدًا؛ الغالبية تريد فرض ما تظنه الحق. و السبب خلف ذلك أن كل فرد لديه/ا مفهوم ثابت للصواب و الخطأ، و يري/تري أن من يرتكب/ترتكب الخطأ أو الإثم أو الخطيئة أو الجريمة يجب أن يمنع/تمنع منها، و يحاكم/تحاكم، و ينكل به/ا. كثير ممن يؤمنون بالإسلام لا يعترفون إلا بالديانات الإبراهيمية، و يرفضون تمامًا حرية كل من يؤمنون بغير هذه الديانات. كثير ممن يؤمنون بالإسلام أو المسيحية يرفضون حقوق المثليين، و المتحولين الجنسيين، و  الداعرات؛ لأنهم بالنسبة إليهم اّثمين مصيرهم الجحيم. كثير من اليسار يرفضون حقوق الإسلاميين؛ لأنهم يرونهم يرفضون الحقوق، و الحريات، و يريدون الدولة الدينية. كثير من مؤيدي النظام يرون أن المعارضين يستحقون القتل؛ لأنهم لا يتمتعون بالوطنية الكافية. و ربما الهزلي، أن كثيرًا من المثليين يرفضون حقوق الداعرات لأنهن تبعن أجسادهن، و بعض المتحوليين الجنسيين يرفضون حقوق المثليين؛ لأنهم يرون التحول الجنسي ليس حرامًا؛ لأنهم يؤدي لعلاقة غيرية، بينما المثلية هي الحرام.
            السبب خلف كل ذلك هو وهم الكثيرين أن معهم الحق، و أن الاّخرين هم الباطل. و السبب العميق خلف ذلك أن المظلومين لا يرون سوي ظلمهم، لا يرون الظلم الواقع علي الاّخرين. المسيحية قد تري الحقوق المنقوصة منها لكونها مسيحية و امرأة، و قد تحارب لتمنح حق الطلاق من زوجها القاهر، لكنها لا تعرف وجع ملحدة طردت من بيتها، عذبتها أسرتها، و كادت تلقي في السجن بسبب رفضها للدين. قد تعرف إخوانية وجع أن يقتل والدها، و تلقي أسرتها كلها في السجن، و يتعرض بيتها للتدمير، لكنها لن تعرف وجع مثلي حاول أقصي ما في وسعه أن يغير نفسه ليرضي المجتمع، تعذب، عاش في الظلام، و ربما ألقي بفضيحة في السجن.
           كنت أحاكم الناس، و أدينهم؛ لأنهم يرفضون حقوق الاّخر، و يريدون حقوقًا لأنفسهم فقط، لكنني تعلمت أن من لم يجربوا وجع الاّخر/ي، يصعب عليهم فهم عذابه/ا، أو قبول حقه/ا. تعلمت أن من يعيشون وسط مجتمع معين أو مجموعة واحدة مشابهة لهم، يسهل عليهم الحكم علي الاّخرين، و يعسر عليهم تخيل أي حياة أخري خيرة غير الحياة التي تربوا عليها.
           أحيانًا أشعر أنني أريد أن أصرخ، أريد أن أقول للجميع أن يتركوا الاّخرين، و شأنهم، يرحمونهم. أشعر بالعجز لأنني لا أعرف كيف أتحدي العالم أجمع؛ لا أعرف كيف أعيد الحق للجميع. أعلم عجزي، و يؤلمني بقسوة. و بعد اكتئاب، إحباط، و أزمة وجودية، قررت أن أكتب هذا المقال؛ لأظهر لك أنك قد تظن/ين أنك تؤمن/ين بحقوق الاخرين، بينما الحقيقة أنك قد لا تؤمن/ين إلا بحقوق ما يتفق مع إيمانك. من يؤمنون بالحقوق، و الحريات يجب أن يؤمنوا بها لمن يختلفون معهم، فلا معني أن تؤمن/ي بحرية لرأيك وحده. هذا هو النفاق. هناك أيديولوجيات سياسية أرفضها بشدة، و مؤسسات اجتماعية أعاديها، لكنني أؤمن بحرية الأفراد أن يكونوا جزءًا مما أرفضه، و أعاديه، و الدفاع عن حقهم في أن يكونوا جزءًا مما يريدون، و أن يدافعوا عما يؤمنون به مبدأ أساسي لي. أنا لم أبدأ هنا؛ لوقت طويل، كنت قومية متعصبة، تؤمن أن من يحمل جنسية مختلفة خائنًا يستحق الاحتقار! يندر أن نبدأ بالحب، و القبول، و احترام الاّخرين، و حقوقهم، لكن إن بقينا حيث بدأنا، فحتمًا سيأتي يوم، و نحمل إثم ظلم أحد، و نحن نحسب أننا نمتلك الحق.
          أظن أنني داخلي، ما زال هناك الكثير من الازدواج في مكان ما، لكنني أريد أن أراقبه دومًا، و أسيطر عليه؛ حتي لا أظلم أحدًا.
          ربما عليك أن تتساءل/ي أيضًا : "بحقوق من تؤمن/ين؟"، "لماذا؟"، "ألأن حقه/ا يتفق مع معتقداتك؟ أم لأنه/ا إنسان/ة؟"
                    
        

       

الثلاثاء، 22 مارس 2016

لماذا تخاف المجتمعات الجنس؟- منشور بمجلة الجامعة الأمريكية AUC TIMES عدد مارس 2016

      (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).  

      كثيرًا ما يشوش نظرنا بالواقع فلا نفكر فيما يكمن خلفه، كثيرًا ما نخضع لفكرة أو حتي نحاربها أو نسخر منها بدون أن نفكر في الأسس التي تقوم عليها. كل فكرة مرتبطة بأفكار أخري تريد حمايتها أو تقوم عليها. كثيرًا ما يحارب الثائرون الاجتماعيون أو السياسيون ضد قمع سياسي أو اجتماعي، لكن أحيانًا يفوتهم محاولة فهم الدوافع التي تكمن خلف القمع، و الأسس التي يقوم عليها، و يقوم عليها تأييد الغالبية له. لكن ربما يكون الطريق الضروري لإحداث التغيير هو فهم القواعد و الدوافع التي يقوم عليها القمع الاجتماعي أو السياسي، و محاولة إيجاد حل لها أو مقاومتها، لأجل إنهاء القمع. فإذا زالت الأسس و الدوافع التي يترسخ عليها القمع، صار أكثر هشاشة، و ربما اختفي من تلقاء نفسه.
         القمع الاجتماعي المرتبط بالجنس له هو أيضًا أسس و دوافع. خوف المجتمعات من الجنس هو السبب الرئيسي لمحاولتها لتقييده، و إخضاعه، و وضع ضوابط قاسية عليه يتم التنكيل بدرجات متفاوتة بمن يحاول كسرها. هذا الخوف هو أيضًا قائم علي أسباب و دوافع. المجتمعات تريد حماية مؤسسات اجتماعية و سياسية و اقتصادية معينة، و الجنس يمثل لهذه المؤسسات مصدر تهديد. بعض هذه المؤسسات هي أصلاً مؤسسات قمعية، و إذا أطلقت الحريات الجنسية أو اعترف بها، قد تتأثر هذه المؤسسات، و قد يعاد هيكلتها. و المجتمعات تحاول أن تبقي علي المؤسسات بأي طريقة، و لا تتردد في استخدام أي سلاح مهما بلغت قسوته أو أحيانًا حتي دمويته لحمايتها.
         الجنس مرتبط بأكثر من مؤسسة؛ يرتبط الجنس بمؤسسة "المال". المال هنا ليس بالضرورة رأس المال بمعناه الحديث، المال هنا يقصد به كل ملكية يمتلكها مجموعة من البشر. الأسرة، و القبيلة، و العشيرة نماذج مصغرة لمجموعات بشرية تمتلك مالاً، قد يكون في صورة أرض أو أموال سائلة أو غيرها. هذه المجموعات البشرية كثيرًا ما أبت أن تخرج الملكية من نطاق أفرادها، لذلك رفضت كثير منها الزواج خارج نطاق المجموعة، و جعلته بعضها بمثابة الخيانة، خاصة إن كان من جانب امرأة من المجموعة لرجل من خارجها؛ لأن ذلك يهدد انتقال المال من حيازة هذه المجموعات لخارجها. و لأن الزواج ليس قرارًا حرًا في كثير من المجتمعات، فقد يلجأ الرجل و المرأة لجنس خارج نطاق الزواج، و ينتج عنه طفل يحقق انتقال الملكية، لذلك اعتبر ابن "السفاح" محرومًا من الميراث و النسب لدي تلك المجتمعات. فهذه الطريقة تكفل حماية الملكية، و تكفل كذلك إرهاب الأفراد حتي لا يخرجون عن قواعد المجتمع، و يهددون مؤسسة الملكية، و مؤسسات أخري فيه.
        الجنس مرتبط بمؤسسة "السلطة"، لذلك في الأسر الحاكمة قديمًا، لم يعترف بالجنس خارج نطاق الزواج بين أفراد الأسرة الحاكمة. و في مصر الفرعونية، شاع الزواج بين الإخوة، و قبل بين الأب و البنت (مثل حالة إخناتون و ابنته)؛ لأنه يكفل حماية السلطة، و عدم انتقالها خارج الأسرة الحاكمة في مصر الفرعونية، و أيضًا لم يكن يعترف بكل زوجات الفراعنة كزوجات رسميات. و هنا تأتي إجابة سؤال اّخر عن تحليل الجنس للرجل أكثر من المرأة. السبب أن الرجل في المجتمعات القديمة يستطيع التبرأ من الأبناء و ضمان عدم توريثهم الحكم أو المال، لكن المرأة لا تستطيع ذلك لأنها تلد أمام الجميع. و بالتالي فعند قيام الرجل بعلاقة جنسية خارج الأسرة الحاكمة  أو خارج نطاق القبيلة، فتستطيع الأسرة أو القبيلة التنصل من الأبناء خارجها، و حفظ الممتلكات، و الحكم لأفرادها، لكن الأمر ليس كذلك من جهة المرأة؛ لأن المرأة لا تستطيع إنكار من أنجبت أمام الجميع.
       الجنس مرتبط بمؤسسة "الجندر" و "السيادة الذكورية". فسيادة الرجل علي المرأة في العلاقة هو جزء رئيسي من دور الرجل اجتماعيًا أو جندر "الرجل". السماح بالمثلية مثلاً يعني بالنسبة للمجتمع ألا يكون هناك طرف أضعف في العلاقة يتم استغلاله، و إخضاعه، و التلذذ به. فكرة إعطاء المرأة لجسدها لرجل (لا العكس)، و فكرة أن جسد المرأة هو الشيء المثير هي أفكار جندرية أساسية يقوم علي نظام الجندر في المجتمع. مثلاً فرض ارتداء المرأة لملابس محتشمة أو تشجيعها علي ارتداء ملابس مثيرة خلفه فكرة أنها هي الطرف المثير. فكرة تمثيل المرأة للضعف و الرقة مرتبطان بكونها الأضعف في العلاقة ببن الرجل و المرأة. هذه الأفكار كلها ستتحطم أو علي الأقل قد تترنح إذا قبلت المثلية كطريقة حياة. المثلية تعني ألا يكون هناك طرف أضعف أو طرف يعطي الأخر جسده أو طرف مثير، و الأخر فقط يتمتع بالإثارة. المثلية تعني ألا يكون لكثير من الأدوار الجندرية معني. المثليةفي وجهة نظر المجتمع- تهدد مؤسسة "الجندر".
        الجنس مرتبط بمؤسسة "الدين". قد يكون الدين نفسه مؤسسة تحمي مؤسسات سياسية و اجتماعية و اقتصادية أخري من خطر الجنس، لكن الدين أيضًا مؤسسة يهددها الجنس أو علي الأقل يهدد بعض أفكارها. قبول الدعارة أو المثلية أو الجنس خارج نطاق الزواج أو الزواج بين أفراد العائلة أو التعدد أو الزواج بين أفراد دين و أفراد دين اّخر يصطدم بالأفكار الفقهية لأديان متعددة في رأي غالبية أتباع هذه الديانات. مثلاً الزواج بين أتباع الديانات المختلفة يهدد "عدد" أتباع الدين. فمن يضمن دين الأبناء؟ الدين هنا يتأثر بالتفكير القبلي، حيث يصير الدين قبيلة كلما زاد أتباعها، كلما قويت.
        الجنس كذلك مرتبط ب "الهوية القومية"، لذلك كثير من الدول تجعل للزواج بين مختلفي الجنسية إجراءات خاصة، و تراقب عدده، و تضع ضوابط لمنح حق الجنسية للأبناء فيه. و مصر لعقود طويلة، كانت ترفض منح الجنسية لأبناء الأم المصرية، و الأب الأجنبي حتي صدور قانون رقم 154 لعام 2004.
       هذه المؤسسات تختلف من مجتمع لأخر، و من وقت لأخر من حيث القوة. لذلك المجتمعات الأوروبية في العصور الحديثة عندما ضعف عندها مؤسسة الدين ثم تدريجيًا قلت قوة مؤسسة "الجندر"بدأت تقبل بالزواج بين أتباع الديانات المختلفة ثم زواج المثليين. و إن كان فيما مضي، يحرص في كثير من المجتمعات (مثل مصر الفرعونية) علي الزواج بين الإخوة للحفاظ علي الملك، فإن "الدين" كمؤسسة تغلب علي "السلطة" و "الملك" ليصبح -في أغلب المجتمعات- الزواج بين الإخوة خطيئة كبري.

          إذا أراد أحد تغيير وضع معين، يراه/تراه قمعًا للحريات الجنسية أو قمع لحقوق أخري قوامها قمع الحريات الجنسية (مثل سلب الأبناء حق النسب نتيجة لعدم الاعتراف قانونًا بالعلاقة الجنسية خارج نطاق الزواج)، فعليه/ا أولاً محاربة المؤسسات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي يهدف قمع الحريات الجنسية لحمايتها. علي سبيل المثال، إذا أراد أحد محاربة منع الزواج خارج نطاق القبيلة، فعليه/ا أولاً محاربة مفهوم القبيلة أو الملكية داخل حدود القبيلة