الاثنين، 7 أغسطس 2017

تساؤلات (١٥): هل الإنتاجية معيار نجاح؟

        عندما تحدث مقارنة بين الأفراد المختلفين وحتي الدول المختلفة، تتخذ الإنتاجية معيارا للمقارنة. عندما ينظر المجتمع لشخص ما، ويقيم مكانته الاجتماعية في كثير من المجتمعات يقيمها علي أساس انتاجيته. وعندما يتم النظر ل"نجاح" الدولة، ومقارنته ب"فشل" دول أخري تكون هذه المقارنة قائمة على أساس الإنتاجية العلمية والاقتصادية بغض النظر عن توزيع المنتجات العلمية والاقتصادية، وعن وضع حقوق الإنسان، وحرياته الحقيقية داخل هذه الدول بل إن من يضع معيار الحياة المرفهة، وحقوق الإنسان، وحرياته هو الأكثر إنتاجية.

      لكن هل الإنتاجية معيار النجاح؟ هل الإنتاجية هي القيمة الحقيقية للحياة الإنسانية؟ هل الإنتاجية معيار تفرقة بين الأفراد والدول؟ هل الإنتاجية هدف الحياة والمجتمعات الإنسانية؟ هل الإنتاجية مفيدة دائما أم أنها أحيانا مضرة؟ هل الإنتاجية غاية أم أنها وسيلة؟ هل حقا نحتاج الإنتاجية؟ أليس ممكنا أن تكون قيمة الإنتاجية واحتياجنا لها هي مجرد وهم صنعته الاستهلاكية؟

          تاريخيا، حققت كثير  من الحضارات الإنسانية إنتاجية مرتفعة، لكن لم تكن للإنتاجية ذات القيمة والتقدير، والنظر إليها كمعيار مقارنة إلا في العصور الحديثة. ما قبل الحداثة، كان الدين، والأعراف، والقيم الروحية، والاجتماعية، والتركيب العرقي، والاجتماعي، والأسري هو قوام المقارنة، والتمييز ليس بين الأفراد لكن أيضا بين الشعوب. الإنتاجية لم يكن ينظر لها كهدف. كانت طريقة إشباع للاحتياجات الأساسية، ولتوفير الرفاهية للأعلي مكانة لكنها لم تكن طريقة تعريف الأعلى مكانة.

         هذا الاختلاف التاريخي، لا يحدد ما إذا كانت الإنتاجية معيار النجاح أو مفيدة أو ذات قيمة عظمي أم لا لكنه يجعلنا ندرك أن مكانة الإنتاجية في الثقافات الإنسانية ليست تلقائية؛ إنما هي متغير تاريخي، يستحق أن ونطرح تساؤلات بشأن حقيقة قيمته.

"الحرية مكفولة أكثر من اللازم"

       عندما قال السيسي  أن الحرية مكفولة أكثر من اللازم؛ لم يكن يمزح، ولم يكن يخدع محاوريه الأجانب عن وضع الحرية في مصر؛ إنما كان يعبر عن طريقة تفكير ما هو أكبر من النظام العسكري الحاكم لمصر؛ لقد كان يعبر عن طريقة تفكير مجتمع بأكمله.

      يمكن تحليل هذه العبارة بأن النظام العسكري المصري هو نظام قائم علي فكرة أن هناك قدر من الحرية لازم يستعمل في النقاش داخل الطبقات الأعلي من الحكم، وهنا يكون للحرية دور وظيفي تؤيده بالقدر المطلوب منها، ثم يجب علي من يخضعون للحكم تنفيذه دون اختيار مثل التجنيد الإجباري الذي ليس مسألة خيار فردي بل هو حكم واجب التنفيذ، ولا يمكن لأي شخص الخروج عنه. وتؤمن هذه الطريقة الوظيفية في التفكير بأن الحرية أكثر من اللازم تؤدي (ككل شيء أكثر من اللازم) إلي خروج المرؤسين عن رؤسائهم وعدم تحقيق المنظومة لأهدافها. وأهداف المنظومة ليست في عدم وجود فساد أو تحقيق النجاح علي المستوي الإنساني. هدف المنظومة هو الظهور بشكل ناجح رقميًا وإحصائيًا، والأهم هو الظهور بمظهر الانضباط، وعدم خروج أي مرؤوس عن رؤسائه بشكل محدد. ويري هذا التحليل أن المرؤوسين يخضعون للرئيس بسبب خوفهم الخروج عنه، وبسبب ترهيبهم.

          هذا التحليل السياسي الخارجي ليس تحليلاً خاطئًا؛ إنما هو تحليل ناقص ينظر من منظور واحد. هذا المنظور لا يري دور المجتمع في صياغة أفكار نظمه؛ هذا المنظور يستخف بالمرؤوسين، ويراهم مجرد عبيد جبناء. وهذا المنظور يطمس حقيقة أن أي نظام مهما بلغت درجة تخويفه أو ديكتاتوريته؛ إنما هو مجرد إنعكاس لأفكار غالبية مجتمعه. من يرون أن الشعب المصري غاضب من الوضع الاقتصادي، ولكنه يخاف الخروج علي النظام جاهل لحقيقة رغبة هذا المجتمع، وكون النظام الحالي هو أفضل تطبيق، وانعكاس لطريقة تفكير، ومباديء غالبية المجتمع المصري الذي يؤمن دائمًا أن حرية غيره "أكثر من اللازم."

         غالبية هذا المجتمع تميل لطريقة تفكير أبوية؛ يملك فيها الأب حق إجبار أبنائه علي فعل ما يؤمن به، مهما بلغ عمرهم؛ بل إنهم يرونه يمتلكهم، ويؤمنون أن الملكية هي قوام الحق. من "يمتلك" خادمة أو زوجة يؤمن هذا المجتمع في حقه علي إجبارها أن تفعل ما يريده هو، وأن تكون علي الصورة التي يريدها. من "يمتلك" طلابًا يؤمن المجتمع بحقه أن يجبرهم أن يسمعوه أراءه الشخصية في أوراق إجابتهم. وتؤمن غالبية هذا المجتمع بحق الإله الذي خلق البشر؛ لأنه خلقهم بأن يعذبهم كما يشاء، ويفرض عليهم الأحكام التي يريدها، ويجب أن يخضعوا له، وحقه إن خرجوا عن أحكامه (حتي التافه منها مثل الطعام) أن يعذبهم كما يحلو له؛ لأنه "يمتلكهم."

          وبجانب أصحاب السلطة مثل الأب، والمخدوم، والزوج، والمعلم، والإله، والحاكم؛ فالمجتمع يؤمن بحقوق كل فرد في فرض أفكار المجتمع، والدين بالقوة علي كل فرد خارج عنهم. المجتمع يري أن حق كل فرد أن يوجه المرأة التي تسير في الشارع بملابس "غير لائقة اجتماعيًا أو دينيًا" أن ترتدي ما يريده هذا المجتمع. المجتمع يري أن حق المارين في الشارع أن يضربوا، ويهذبوا أي رجل منظره "شاذ" يسير في الشارع. المجتمع يؤمن بحقه طرد أو التبليغ عن أي امرأة تستضيف رجالاً في منزلها، وهي تعيش وحدها. المجتمع يري أن حقه أن يهذب أي رجل وامرأة يقفون معًا بطريقة "غير لائقة" في الشارع. المجتمع يؤمن بحق المرأة الوسطية أن تؤذي المنتقبة التي تمثل فكرا محافظا أكثر منه.

           ويري المجتمع أن كل من هو أقلية تصطدم مع أعراف الأغلبية يستحق أقصي عقوبة (تصل إلي درجة القتل) لاختلافه. المجتمع يري أن العقوبة الصحيحة للمثلي أو العاملة في الجنس أو الملحد أو الذين يقيمون علاقات جنسية خارج الزواج هو القتل، وهم أول من يؤيدون الدولة في سجنها واغتصابها لهؤلاء، بل يرون أن الإعدام، وليس السجن هو ما يستحقونه. المجتمع يرفض حرية الفرد في تغيير دينه، ويرفض حرية أصحاب الديانات في الزواج بأصحاب الديانات الأخرى، ويرفض الاعتراف بأي صاحب دين غير إبراهيمي. المجتمع لا يعترف بحرية أي شخص يمثل أقلية في فعل ما ينافي أفكار ومعتقدات الأغلبية. المجتمع يؤمن بمنطق الأكثر قوة يفرض قانونه بالقوة علي الأضعف، ويجلد الأضعف لو تجرأ، وخرج عن حكمه.

        عندما أقول المجتمع لا أعني فقط الغالبية المؤمنة ب"الوسطية" المصرية الأصيلة. بعض الملحدين لا يؤمنون بحقوق السلفيين، والمنتقبات. بعض اليسار لا يؤمنون بحقوق الإسلاميين، والإسلاميون لا يؤمنون بحق غيرهم في عدم انطباق نظام فكري لا يؤمنون به عليهم. والمثليون الذين يريدون حقوقهم لا يؤمنون بحقوق العاملون والعاملات في الجنس أو الراغبين في التعدد.

       هذا المجتمع لا يؤمن بالحرية كقيمة مطلقة أو مبدأ انساني؛ هو  أصلا لا يؤمن بالمباديء الإنسانية. هذا المجتمع الذي صنع هذه الدولة القمعية هو مجتمع قمعي يؤمن أن الحرية له لازمة لفرض سلطته لكن حرية الآخر دائما "أكثر من اللازم."



الجمعة، 28 يوليو 2017

تساؤلات (14): هل يجب أن ينزل الإله منهجًا؟ هل الإله حاكم؟ ألا يمكن أن يكون الإله في موقع المحاكم؟

         الحجة الشهيرة لفكرة إتباع الدين هي أنه منهج من الإله، وأن الإله يجب أن ينزل منهجًا دائمًا، وأن الحكمة الإلهية من الخلق هي اختبار البشر، ومدي إتباعهم للمنهج، وفي حالة عدم إنزال المنهج لن يكون الإله عادلاً. لقد تمت مناقشة فكرة الحساب، والاختبار، والجنة والنار في مقالات سابقة من سلسلة تساؤلات يمكن العودة إليها في هذه المدونة.
          السؤال هذه المرة هو هل البشر كلهم في حاجة إلي منهج بصورة الدين أم لا؟ هل يجب أن ينزل الإله منهجًا؟ وهل هذه حكمة من الإله؟ هل الشخص الحكيم في الحياة اليومية للأفراد يذهب لكل شخص يعرفه بغض النظر عن ظروفه، وحياته الشخصية، وينصحه بنصيحة عامة ينصحها لغيره؟ هل الشخص الحكيم في الحياة يعتبر تصرفًا واحدًا صوابًا دائمًا؟ هل ينصح الحكيم شخصًا في مجتمع غربي بالتعدد الزوجي مثل شخص في مجتمع سعودي؟ هل ينصح الحكيم شخصًا في مجتمع أفريقي بارتداء نفس الملابس التي يرتديها شخص أخر في أسيا؟ هل ينصح الحكيم شخًصًا في مجتمع ظروفه حربية دائمة بنفس نصائح شخص في مجتمع حالته دائمًا سلمية؟ هل الشخص الحكيم يكتب رسالة واحدة ويرسل هذه الرسالة لكل البشر في زمنه فقط (لا كل الأزمنة) ويدعي أن كل موقف في الحياة ستطبق فيه هذه الرسالة ستكون حكيمة؟ هل أصلاً أي حكم في الكون عادل في كل المواقف؟ فكرة المنهج قائمة علي وجود مانويل يرسل للبشر ليسيرون عليه، ويكون ملائمًا لكل ظروفهم، وهذه الفكرة تدعو للتساؤل: هل يكون الإله حكيمًا إن أرسل هذا المنهج أصلاً؟ أم يكون سطحيًا، وجاهلاً؟
         إن كان البشر في حاجة إلي مساعدة أوإرشاد؛ ألا يكون من الأحكم أن يرسل لكل شخص في ظروفه الشخصية إرشادات ملائمة له؟ ألا يكون الأحكم أن يخاطب كل شخص وحده بشكل مستقل عن فكرة منهج عام؟ ألا يناسب كل شخص أصلاً طريقة قرب وعلاقة مختلفة مع الإله؟ هل الأفضل أصلاً أن يكون الإله منزلاً لمنهج أم أن يكون صديقًأ مصاحبًا للشخص الواحد في كل موقف، ومعينًا له في كل موقف حياتي يحتاج فيه معونة علي حدي؟
         فكرة المنهج مرتبطة بفكرة الحاكم، وفكرة أن الإله دائمًا في موقف الحاكم الذي يحاسب البشر علي إتباع القانون الذي فرضه أو علي الخروج عليه، وكما ذكرت فقد تمت مناقشة هذه الفكرة من قبل في مقالات لاحقة لكن المهم هنا هو: هل الإله دائمًا في موقف الحاكم (إن كان أصلاً بهذه الصورة) أم أنه يكون كثيرًا في موقف المحاكم من الإنسان في علاقة تبادلية؟ حتي الأديان تدعي أن الإنسان يجب أن يفكر ويتساءل، ويبحث حتي يعرف الدين الصحيح، وهذه هي الحجة التي تستند عليها الأديان (علي الأقل الإبراهيمية) حتي تبرر معاقبة غير المؤمنين بها علي رفضهم لصورة الإله فيها حتي من لم يعرفوا شيئًا عنها. ولكن حتي يختار الشخص بين الأديان المختلفة، ويبحث يجب أن يكون حاكمًا علي صور مختلفة للإله، ويختار بينها، وفي هذه المحاكمة يكون الإله في صورة المحاكم. وسؤال اّخر: ألا يمكن أن يكون الإله دائمًا في موقع المحاكم في علاقة مع الإنسان؟ في العلاقات التبادلية بين البشر يكون الأفراد في موقف متبادل من المحاكمة التبادلية إن أخطأ أحدهم في حق الاّخر أو إذا شك شخص في خطأ الاّخر في حقه، ألا يصح أن تكون العلاقة مع الإله علاقة تبادلية أيضًا؟ لو كانت الإجابة ب"لا" مستندة علي ارتفاع مكانة الإله في العلاقة؛ ففي هذه الحالة سيكون تحرر الإله من موقع المحاكم نتيجة لقوته، ومكانته، لا نتيجة لأي معيار أخلاقي، وإن كان الإله هو من يضع المعايير الأخلاقية؛ فألا يعني ذلك أن الإله ليس إلا  ديكتاتور يضع قواعد، ويلزم بها البشر، ويجبرهم علي إتباعها، ويكتسب الحصانة من المحاكمة حتي بمعاييره من موقف القوة، ومن موقف المشرع؟ هل من يحتمي بالقوة، والمكانة ليتحرر من المحاكمة أخلاقي حتي بمعايير الأخلاق التي تتفق عليها الأديان؟ وهل من يتحرر من المعايير التي وضعها بنفسه هو أخلاقي؟
           ألا يمكن أن يكون الإله هو الأخلاق النبيلة (أو لنستعمل تعبير "القيم")  ذاتها لا واضعها؟ ألا يمكن أن يكون الإله دائمًا في موقف الحاكم، والمحاكم في علاقة تبادلية مع الإنسان؟
   
 

الأحد، 4 يونيو 2017

تساؤلات (13): هل هناك مسار محدد وتلقائي للحياة الفردية؟ وهل المراحل الحياتية تلقائية أم أنها نتاج نظام اجتماعي؟ وهل هي الصواب؟

      أغلب المجتمعات، وبدرجات متفاوتة تفرض علي أفرادها مسارًا محددًا لحياتهم؛ عدد سنوات محدد للدراسة، ثم يخرجون من الدراسة لعدد سنوات محددة من العمل، وتكوين العلاقات العاطفية والزواج، ثم عدد سنوات محدد بعد العمل. في مجتمعنا المصري مثلاً، يتوقع من الفرد أن ينتهي من دراسته في العشرينيات (وبدأت تنتشر صيحة إضافة سنوات أخرى للماجستير والدكتوراة)، ثم يبدأ في العمل، والزواج، ثم تربية الأبناء، ثم دراسة الأبناء، ثم تزويج الأبناء ثم انتهاء العمل، ثم الشيخوخة، والموت.

         هو مسار محدد للحياة، وهو مختلف إلي حد ما (ليس كثيرًا جدًا) عن المسار الغربي للحياة، فقط نستبدل الزواج بالعلاقات العاطفية، ويتغير كثيرًا سن العمل، الاعتماد علي النفس (سن أصغر)، وكثيرًا ما يختار الغربيون عدم الإنجاب لكن في كل الأحوال يوجد مخطط مشابه لمسار الحياة الفردية. ولكن هل هذا المسار تلقائي أم أنه نتاج نظام اجتماعي؟ وهل هو الصواب أصلاً؟

        هل الصواب أن يتحدد سن معينة لكل شيء يفعله الفرد؟ هل الزواج أو العلاقات العاطفية قرينة سن معينة، ويجب القيام بها في مرحلة معينة أو حتي يجب القيام بها أصلاً؟ ألا يمكن أن تغني الصداقات عن العلاقات الأسرية والعاطفية؟ هل يجب أن تكون العلاقات العاطفية الجادة والزواج بعد التعليم؟ هل يجب أن يكون العمل لعدد سنوات معينة حتي الشيخوخة؟ هل يجب أن يعمل الفرد في سن معينة بعد "إتمام" تعليمه؟

          هناك ارتباط أيضًا بين هذه المراحل والعلاقات الإنسانية. فمثلاً في سن الدراسة المبكر تكون العلاقة الأساسية هي العائلة، ثم يصبح الأصدقاء هم العلاقات الأساسية في سن الدراسة الأكبر، ثم يصبح الطرف العاطفي (والأبناء إن وجدوا) هم العلاقات الأساسية في مرحلة ما بعد الدراسة، ويختلف الأمر قليلاً في المجتمعات الغربية حيث تستمر قيمة الأصدقاء إلى حد أكبر بعد إنتهاء الدراسة، وأخيرًا يمكن أن تنتهي العلاقات بعد انتهاء مدة العمل، وزواج الأبناء. لكن هل هذه الصورة المرحلية للعلاقات الإنسانية هي الأخرى تلقائية أو صوابًا حتي؟

           هل من الصواب أن يكون البشر في حياتنا مراحل؟ هل من الصواب أن تكون علاقاتنا مبنية علي الظروف والاحتياجات في كل ظرف؟ هل من الصواب أن تنزوي أهمية بشر عندنا لأن هناك مخطط ثابت يجب أن تسير عليه حياتنا؟ ألا ينبئنا تغيير مكانة البشر في حياتنا، ونظرتنا لهم علي أنهم مراحل أن هناك خطأ ما في "المخطط الثابت" لحياتنا؟

              هل كان هذا المخطط أصلاً موجودًا في كل العصور الزمنية؟ ألم يكن الزواج يتم في سن قبل إتمام الدراسة في زمن ما؟ ألم يكن العمل يتم في سن أصغر نسبيًا؟ ألم يكن مفهوم العلاقات مغايرًا في وقت ما؟ ألا يمكن أن يكون شكل حياتنا ومراحلها مغايرًا؟ ألا يمكن أن نختار مسارًا مختلفًا لحياتنا؟ ألا يمكن أن يكون هذا "المخطط الثابت" خاطئًا أو عبوديًا أو يمنعنا من رؤية رسومات أخرى لمجرى حياتنا؟ ألا يمكن أن يكون شكل علاقتنا في هذه المراحل خطأ؟ ألا يمكن أن تكون جريمة أننا نجعل علاقتنا بالبشر هي الأخرى ترسم كجزء من هذا المخطط؟ ألا يمكن أن يكون ذلك استغلالاً لهم؟ ألا يمكن أن يكون تخلينا عن أفراد مثل أصدقاء المدرسة أو العائلة الأولى، واهتمامنا بأشخاص آخرين لمجرد أنهم جزء من المرحلة التي نقف فيها من المخطط خيانة؟ ألا يمكن أن يكون هذا المخطط مجرد خدعة أو وسيلة من المجتمع لإخضاعنا، وتقرير شكل ثابت لحياتنا، لا نستطيع أن نخرج عليه فنهدد أمنه؟

الخميس، 25 مايو 2017

تساؤلات (12): هل الجسد ضد الروح؟ هل الروح حقًا ترقى علي الجسد؟ هل الروح أصلاً مختلفة عن الجسد؟

          واحد من أهم الأسئلة علي الإطلاق وأكثرها تعقيدًا في الفلسفة الغربية هو عن علاقة الجسد بالروح. فالفكرة الغربية التاريخية (والعربية أيضًا) أن الجسد منفصل عن الروح، والأمر مختلف كثيرًا في الثقافة الشرقية (الاّسيوية) حيث توجد نظرة أكثر توحيدًا بين الاثنين.
   
          والفكرة الدينية لدى الأديان السماوية هو وجود انفصال وشبه معركة بين الاثنين، وأن المتدين هو من يستطيع التوازن بين الاثنين ومن يستطيع السيطرة علي جسده، ومنعه من تلويث روحه. وإن كان الإسلام بوجه عام أكثر تسامحًا مع الجسد، وإن كان يضع قيودًا له؛ فهو أيضًا إلى حد ما ينظر للجسد علي أنه شيء ينبغي السيطرة عليه بفكرة مثل الصوم. الاختلاف بين المسيحية والإسلام حول الجسد هو أن المسيحية تكره الجسد، وما هو جسدي، وتعتبره مرحلة، وأن الإسلام يحب ما هو جسدي، ولكنه يريد فرض قيود عليه بحيث يستطيع السيطرة علي "المخاطر" التي يمثلها الجسد للمجتمع. ولذلك نجد الاّخرة الإسلامية اّخرة حسية جدًا، والسماء المسيحية يرفض فيها كل ما هو جسدي، والجسد في هذه الأفكار الدينية (الإسلامية والمسيحية) مرتبط بشكل كبير بالجنس.

           لكن المشكلة الحقيقية في رؤية الجسد كعدو للروح؛ والسؤال هنا هو لماذا يعتبر الجسد عدوًا للروح؟ أو خصمًا لها ينبغي التحكم فيه؟ لماذا تعتبر رغبات الجسد أزمة كبيرة يجب أن ترقي الروح حتي تستطيع السيطرة عليها؟ لماذا الروح، والجسد منفصلان؟ من أين جاءت هذه الفكرة، وما الذي يدعمها؟ لماذا لا يعتبر الجسد انعكاسًا للروح؟ لماذا لا يعتبر الجنس صورة من صور تعبير الروح؟ ما الذي يثبت أيضًا أو حتي يؤيد فكرة أن الروح والجسد في معركة؟ ما الذي يجعلنا نظن أن الروح ارقى من الجسد؟
ألا يمكن أن يكون الجسد هو الأرقى من الروح؟ ألا يمكن أن تكون الروح أدنى وأقذر من الجسد؟ ما الذي يجعلنا نظن أصلاً أن الروح والجسد مختلفان؟ لماذا نظن أنهما ليسا واحدًا بصور مختلفة؟

           ألا يمكن أن يكون صراع الجسد والروح مجرد أكذوبة و وهم وخدعة خدعتها لنا الأديان أو المجتمعات حتي تحمي نفسها من الأخطار الذي يمثلها الجسد ورغباته علي أمنها، واستقرار نظامها؟ ألا يمكن أن يكون الجنس مثلاً راقيًا ونظيفًا أو حتي عاديًا، فألصقته المجتمعات بالدنو والقذارة (خاصة إن خالف أحكامها) لما يحمله من تهديد لاستقرار الأوضاع فيها؟ ألا يمكن أن يكون الصواب هو جعل الجسد معلم للروح مثلما الروح معلمة للجسد؟ ألا يمكن أن تكون العلاقة بينهما من طرفين لا من تحكم طرف واحد؟ ألا يمكن أن يكون الجيد عالمًا أكثر من الروح في أوقات؟  

الثلاثاء، 23 مايو 2017

تساؤلات (11): علي ماذا يستند الإيمان؟

        الهجوم الشهير من المؤمنين بالمنطق أو المؤمنين بالمنهج العلمي (المنطق ليس والمنهج العلمي سواء، هناك اختلاف كبير بينهما) علي الدين أو حتي علي أفكار غير دينية يصعب إثباتها بأدلة ملموسة أو تناقض المنطق هو فكرة عدم إثباتها وكونها غير منطقية. والدفاع المشهور من المؤمنين الدينين الذين يرفضون مواجهة الأسئلة المنطقية ضد الدين هو أن الإيمان هو التصديق حتي دون أدلة ملموسة، ومع التصادم مع المنطق.

         لكن المشكلة الحقيقية عند رفض المنطق والأدلة الملموسة هو كيفية إثبات الإيمان أو تسبيبه. أليس الإيمان دون سبب مجرد تمسك بفكرة معينة لمجرد أنها تروق عاطفيًا للمؤمن/ة بها أو لأنها شيء تعود/ت عليه، ويخاف/تخاف فقدانه؟ أليس الإيمان دون أساس يستند إليه هو مجرد رغبة في الأمان الزائف أو الخوف من هدم كل ما تربى عليه الفرد، وعاش عليه عمره؟ أليس الإيمان بهذه الصورة رخيص جدًا ويرخص ما نؤمن به؟ ألا يجعل الإيمان بهذه الصورة من نؤمن به (مثلاً الإله) مجرد فكرة ننتفع بوجودها و نخاف أن نفقد الأمان الذي توفره، ولذلك نتمسك بها؟

        من ناحية أخرى، من أين يأتي الافتراض بأن المنطق أو الدليل الملموس هو فقط الأساس الذي يمكن أن يستند إليه الإيمان؟ لماذا هما فقط يصلحان كسبب للتصديق؟ ألا يمكن أن تكون هناك صور أخرى للأدلة؟ ألا يمكن أن تكون التجربة الشخصية للفرد في علاقته/ا بشيء ما هو سبب يستند إليه هذا الإيمان؟ ألا يمكن أن تكون تجربة روحانيًا فردية سببًا قويًا للإيمان؟ ألا يمكن أن تكون علاقة شخصية الفردية بإله أثبتت له صدق وجود الإله أو فكرة معينة عنه؟

        لماذا يجب أن يكون دليل أو أساس الإيمان صالحًا لإقناع كل فرد به؟ لماذا يجب أن يكون شيئًا غير فردي؟ لماذا لا يكون أساس الإيمان والإيمان ذاته تجربة فردية؟ لماذا يجب أن يكتسب الإيمان صورة اجتماعية جماعية بأدلتها، وأساسها؟ الإيمان دون سبب أو لمجرد أن الدين الذي تربينا عليه أو الكتاب المقدس الذي كبرنا علي وجوده أو المجتمع الذي تربينا فيه يقول أشياءًا محددة فنؤمن بها ربما هو إيمان خاطئ وكاذب ويرخص ما نؤمن به، لكن هناك صور أخرى للإيمان بأشياء حتي وإن كانت ضد المنطق والأدلة الملموسة. ربما هناك أدلة فردية من نوع آخر يمكن أن يستند إليها الإيمان. 

الاثنين، 22 مايو 2017

تساؤلات (10): هل المرض ضد الطبيعة؟ وهل المرض النفسي موجود؟

        الافتراض الدائم أن "المرض" هو شيء "abnormal" وضد القاعدة الطبيعية، وأن التدخل البشري هي بهدف تصحيح الاعوجاج الذي حدث في الطبيعة بحيث أنتجت أفرادًا ضد قواعدها، لكن من أين يأتي هذا الافتراض؟ نحن وجدنا مثلاً فقدان البصر في الطبيعة، ووجدان الفيروسات، والبكتيريا، والديدان التي تسبب كثيرًا من الأمراض في الطبيعة أيضًا. من أين جاءت فكرة أن الأعراض التي نسميها نحن أمراضًا هي ضد الطبيعة؟ ألأنها تصيب الأقلية مثلاً؟ أم أنها تسبب صعوبات والاّم لنا كبشر؟ نحن لسنا تعريف الطبيعة، ولسنا نحن الذين نحدد طبقًا لما هو يناسبنا، ويريحنا ما هو طبيعي. ربما تكون حقيقة الطبيعة أنها تسبب صعوبات لنا، وأن الطبيعة ذاتها تخلق أوضاع "طبيعية تمامًا" لكنها متعبة لنا كبشر ويجب لنا تغييرها حتي تكون أوضاعنا أفضل. لذلك يجب أن نتشكك كثيرًا في فكرة كون ما نسميه أمراضًا ضد الطبيعة، بل ربما هو جوهر الطبيعة.

       ثاني سؤال أكثر أهمية هو حقيقة وجود شيء يسمي "مرضًا نفسيًا". اليسار يتشكك غالبًا في فكرة وجود شيء يسمى مرضًا نفسيًا. ألا يمكن أن يكون المرض النفسي مجرد مصطلح اخترعناه حتي نصم المختلفين معنا اجتماعيًا بأنهم يفتقدون إلى العقل وأن لديهم مشكلة ما تجعلهم مختلفين؟ ما الذي يفسر تغيير بعض "الأمراض النفسية" ونزع صفة المرض النفسي عنها مع تقبل المجتمع الغربي لها كالمثلية، وتمسك أغلب المجتمعات العربية باعتبرها أمراضًا نفسية لرفضها لها؟ وما الذي يفسر اعتبار عدم استيعاب الأطفال للمنهج التعليمي بالشكل التقليدي مثل الأطفال "المصابين" بال ADHD مرضًا نفسيًا؟ هؤلاء الأطفال فقط لا يستطيعون التركيز في المحاضرات بالشكل التقليدي لماذا نعتبرهم عاجزين أو مرضي؟ ولماذا نفترض في من لديهم مشاعر كثيرة أكثر من الغالبية أنهم مرضي؟ ولماذا نفترض فيمن يفكرون بشكل مختلف، وتسيطر أفكار معينة عليهم بشكل معين أنهم مرضى؟ ولماذا بشكل جزافي يستعمل المجتمع كلمة "مجنون" للإشارة لمن يقوم بفعل غير مألوف في مجتمعه؟ لماذا يتم الحكم بعلاج نفسي علي بعض الأفراد الذين يقودون سيارتهم بطريقة غريبة "بطريقة عربية" في المجتمعات الغربية؟ ولماذا كل من يفعل/تفعل فعلاً غير متفق تمامًا مع المجتمع العربي حتي في اختياره/ا لألوان منزله/ا يسمي "مجنونًا"؟

            العقل بكل بساطة يحتمل أن يكون منظومة فكرية تحاول أن تقصي المختلف مع الأغلبية الاجتماعية وأفكارها. هذا كله لا يعني أنه ليس من حق الفرد أن يحاول تغيير أشياء معينة تضايقه/ا في نفسه/ا، لكن هذا يعني أن هناك شك في حقيقة وجود أشياء معينة مثل الأمراض النفسية، كل  شخص فيه هذه الصفات يعتبر مريضًا نفسيًا.