الأحد، 13 مايو 2018

إعتذار

المفروض أكتب كتير أوي؛ المفروض أكتب تحليل وشرح وتنظير عما أعلم فيما تفعله الدولة ويفعله المجتمع بنا. 
المفروض أكتب عن حاجات كتير أوي بس الصدمة والفجور والإفتراء فوق طاقتي.
أنا فعلا مش قادرة أكتب؛ كمية المشاعر والصدمة والطغيان والقهر والهزيمة للحلم فوق طاقتي علي التحمل.
سامحوني؛ أعجز عن الكتابة؛ أحاول منذ فترة، وتزيد الصدمات فأعجز أكثر.
لكن مازلت أقاوم، ومازلت أحاول أن أحيا.
وأريد أن أعود لقلمي.
أريد أن أعود.

الأحد، 7 يناير 2018

رموز قداس ميلاد المسيح والمنظومة الفكرية الكاملة للدولة المصرية

  (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

       لكل مجتمع ودولة ما منظومة أفكار مترابطة ومتجانسة اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية تخدم بعضها البعض. ولكل دولة ومجتمع رموز تعبر بشكل واع أو غير واع عن هذه المنظومة. هذه الرموز تبدو من الخارج ضمن حكام وموجهي المنظونة لكنها في حقيقتها ليست إلا لاعبا في دور محدد داخل هذه المنظومة مهما عظمت مكانتها بل حتي لو تولت الرئاسة الأسمية لها. وتقوم هذه الرموز بدور الأبطال الرئيسيين الذين يعبرون عن أفكار السيناريست. وإن كان السيناريست في المجتمعات والدول ليس شخصا بعينه إنما هو وعي (أو لا وعي) جمعي.
         المجتمع المصري والدولة المصرية ليسا استثناءا من هذه القاعدة. مصر الان تحكمها مجموعة أفكار سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية يعبر عنها في رموز كثيرة منها كنيسة ميلاد المسيح في العاصمة الإدارية الجديدة والبابا تواضروس وكلمته في القداس اليوم.
         مجموعة رموز متناثرة ظهرت اليوم بتحليل عميق لها يمكن أن نري إنعكاس المنظومة الحاكمة المصرية الان بكل جوانبها. الرمز الأول هو كنيسة في العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة نهائية مليار و٢٠٠ مليون جنيه؛ الرمز الثاني هو صلاة داخلها بحضور محدد وعدد ومحدود؛ الرمز الثالث هو صف العسكر في صفها الأمامي، الرمز الرابع هو اسم الكنيسة "ميلاد المسيح"؛ الرمز الخامس هو حديث البابا في قداس عيد الميلاد الذي يكون غالبا موضوعه قصة ميلاد المسيح أو مريم عن الإلحاد و"الشذوذ" والإرهاب؛ الرمز السادس هو الأية والتفسير الذي اختاره البابا متي(18 : 3).
          فلنبدأ بالمنظومة الاقتصادية؛ المنظومة الاقتصادية التي تتبناها الدولة الان هي امتداد وتطور للمنظومة التي تبناها مبارك منذ التسعينات وهي إتباع برامج إعادة الهيكلة التي يمليها صندوق النقد والبنك الدوليين والتي حققت لمصر قبل ٢٥ يناير معدل نمو اقتصادي بلغ ٧% من الأعلي عالميا واحتياطي نقد أجنبي صخم، مع قروض قاربت التريليون جنيه و نسبة فقر قاربت ال٤٠% حسب دراسات مركز دعم إتخاذ القرار أنذاك.
            هذه المنظومة الاقتصادية كانت وراء نهضة ضخمة في كثير من الدول النامية ومن أشهر نماذجها البرازيل لكن تقريبا جميع الدول التي إتبعتها من الدول النامية حققت نموا اقتصاديا مرتفعا، واحتياطي نقد أجنبي ضخم لكن مع زيادة مرعبة في الفجوة بين الطبقة شديدة الثراء والطبقة الأفقر وارتفاع مرعب كذلك في عدد المواطنين تحت خط الفقر، مع ازدياد ثروة طبقة محددة ونخبة ثقافية واقتصادية. هذه المنظومة بدأت تؤتي ثمارها بتعويم الجنيه والاستفادة الذي عاد بها هذا القرار علي المستوي الإئتماني للدولي وعلي الطبقات الأكثر ثراء والنتائج المذرية لهذا القرار علي الطبقات الأشد فقرا أو الطبقة المتوسطة بشكل أساسي. وتعلم الدولة ذلك جيدا لكنها تعلم أولوياتها أيضا، تعلم أن أولوياتها هي النمو الرقمي وليس الاجتماعي، وتعلم أن الطبقة الأشد ثراء هي الأساس الذي تخدمه. لذلك تعلم أنعا تحتاج لتوجيه مليارات لتحسين وأنشاء طرق للتجمعات والمجتمعات الثرية المغلقة وللاحتياجات التجارية لطبقة رجال الأعمال والمخدمين عليهم  بدلا من تعديل طرق القري أو المحافظات الفقيرة أو بدلا من تحسين العشوئيات مثلا. وتعلم ذات الدولة أن الأولوية ليست لمسيحيي الصعيد في القري الأشد فقرا التي لا يوجد بها كنيسة أو التي أغلقت كنائسها أو لمسيحيي حلوان. تعلم أن الأولوية لمجتمع التجمع والشعب المسيحي الأكثر ثراء الذي سينتقل للعاصمة الإدارية الجديدة.
       تحاول الدولة كذلك أن تخلق كوادر من شباب هذه الطبقة تستطيع أن تكمل مشوار المنظومة الاقتصادية وتقيم الدولة لهذه الكوادر المؤتمرات. هؤلاء ضرورة لاستمرار المنظومة. وأحيانا تخلق تلك المنظومة رموزا لإيهام الطبقات الأقل حظا أن هناك أمل لهم داخل هذه المنظومة؛ رموزا مثل محمد رمضان ومحمد صلاح؛ وتهتم كثيرا بالاحتفاء بهم.
        المنظومتان الدينية والاجتماعية لهما ضوابطهما أيضا؛ فهذه المنظومة التي تحكم مصر تريد صورة واحدة محددة للمجتمع بأكمله لا يميل عنها يسارا أو يمينا. هذه الدولة لا تريد مجتمعا متدينا ومحافظا إسلاميا كما أنها لا تريد مجتمعا فيه مثلية جنسية أو إلحاد أو حتي تعدد ديني حقيقي مثل البهائية. هذه المنظومة عبارة عن نسخة مصرية محددة بمفهوم محدد عن التدين المصري الوسطي الجميل بشقيه الإسلامي والمسيحي ولكن تدين تحت السيطرة وداخل إطار المنظومات الأخري السياسة والاقتصادية للدولة. هناك اختلافات أيضا داخل قالب محدد؛ فمثلا الكنيسة الإنجيلية مختلفة عن الكنيسة الأرثوزدكسية في مواجهتها ل"خطري" الإلحاد والمثلية وتحاول أن تتصرف بذكاء أكثر لكنها تبقي داخل المنظومة الوسطية. هذه المنظومة يعبر عنها بصورة فتاتان ترتديان ثيابا غالية؛ واحدة ترتدي تنورة فوق الركبة رسمية والثانية ترتدي حجابا. لا ترتدي إحداهما نقابا ولا تتعري. حتي قبول الاخر المختلف بدرجة صغيرة يكون بقواعد؛ قواعد تجعل المسيحيين يحصلون علي إجازة عيد الميلاد المجيد لكن ليس علي عيد القيامة.
        المنظومة السياسية تكمن في نظام سياسي يرفض النقد والاختلاف، ويرفض وجود هامش من الحرية والتنفس. نظام سياسي قمعي سمته الأولي الأبوية. لا أحد يحق له أن يختار فيه أي شيء، ولا حتي أن يسأل. الكل يؤدي دوره وينفذ فقط، والكل يؤمن بدون تساؤل، لا يشك حتي لو كل القرائن مضادة لما يقال له. هذه المنظومة لن تحكم إذا شك الفرد في الدين أو "نظام الطبيعة" لذلك لا يجب أن يسمح بسلوكيات كالإلحاد أو المثلية وتواجه بقوانين جبرية وقبضة قمعية. لا يسمح بطرق رقيقة مثل التحدي الفكري؛ يجب أن تعبر المنظومة الأبوية عن نفسها في الأب السطوي القوي الذي يفرض كل شيء بقوة وحسم وقانون وسجن. وفي هذه المنظومة يجب أن يكون طريق السماوات أن يكون المؤمن كالصغير شديد الثقة ولا يشك، ويكون كل من يحاول العبث بثقة وإيمان الصغير مصيره الهلاك.

           هذه المنظومات كلها متشابكة ولن تصمد إحداها بدون الأخري، ولن تصمد إحداها بدون أباء وصغار.
     
 
           

الاثنين، 13 نوفمبر 2017

الانتصار الأكبر للنظام القمعي الاستبدادي: تحويل المعارضين لمستبدين

      (هذا المقال بقلمي لا بقلم الطفلة).

        يحب معارضي النظام الحاكم انتقاد ومواجهة الديكتاتورية القائمة، وقمع الحقوق والحريات، وهرس حقوق الأقليات مدعين أنهم يدافعون عن العدل والمساواة والحرية. ويحب الإسلاميون منهم الإدعاء بأنهم يدافعون عن الحق، وحكم الله، ويحب الليبراليون، واليساريون الإدعاء بأنهم يدافعون عن المساواة و الحرية.

       لكن إذا ناقشت أكثر أفكارك إن كنت يساريا أو ليبراليا فقد تجد ميلا للانقلاب علي هذه الأفكار في حالتين؛ الحالة الأولي إذا كان هذه بخصوص حقوق مجموعة تؤمن أنها مخطئة مثل العاملات في الجنس مثلا، والحالة الثانية إذا افترضت وجودك في السلطة وتتعامل مع حقوق أفراد النظام القائم أو حقوق الإسلاميين. وقد تجد لديك ميلا للإعجاب بأفكار نتشه أو لينن أو شميت أو أتاتورك أو إعجابا داخليا بنموذج الإتحاد السوفيتي أو ألمانيا الشرقية، وقد تري أن أفكار نتشه أو لينن أو شميت أسيء تطبيقها لكنها يمكن أن تطبق بصورة صحيحة لا تجعلها تحيد عن طريقها المستقيم.

              وإذا واجهك أحد بأن هذه الشخصيات والنظم والأفكار تتعارض مع قيم الحرية، والمساواة التي تدافع عنها، فسترد أن قيم الحرية والمساواة تحتاج لنظم تحميها وتفرضها. وإذا ضغط عليك محاورك في النقاش، فستخرج ما بداخلك ويكمن خلف دفاعك عن هذه الأفكار.  ستواجه محاورك بالسبب الحقيقي خلف إنقلابك الداخلي علي هذه الافكار. ستخبر محاورك عن الفشل الذي تعرضت له هذه الأفكار في الثورة أو عن الظلم الشخصي الذي تعرضت له وتعرض له من تعرفهم وأمنوا بهذه الأفكار حتي النهاية.

             يؤلمني أن أغلب من يدعون مهاجمة هذا النظام إما يؤمنون بالحكم الإسلامي القمعي لكل ما هو مناقض للإسلام أو يؤمنون بالحكم اليساري القمعي. كثير من اليسار والليبراليون لا يؤمنون حقا بمبادئهم. هم مثل النظام يؤمنون بالحقوق لأنفسهم فقط. خاصة بعد انتصار النظام الديكتاتوري القمعي. ولا يدرك معارضو النظام أن نصر النظام الأكبر هو إجبارهم علي تبني أفكاره والانقلاب علي مبادئهم. النصر الأصغر للنظام هو الاستحواذ علي الدولة والتنكيل بمعارضيه لكن النصر الأكبر للنظام هو قهر أفكار معارضيه؛ هو جعلهم يحملون داخلهم أفكاره. وهذا هو النصر الحقيقي الذي حققه النظلم الحالي؛ فكثير من معارضيه يؤمنون بأن المنتصر علي صواب داخلهم، ولذلك داخلهم يؤمنون بأن النصر من نصيب أفكار هذا النظام وليس أفكارهم، ولذلك أيضا داخلهم بدأوا يعجبون بالأفكار القمعية لنتشه وشميت ولينن وأتاتورك.

               يجرحني أننا حتي وإن تخلصنا من هذا النظام، سنتخلص من لاعبين سياسيين معينين، ولن نتخلص من القمع أو القهر أو الظلم أو الاضطهاد. يجرحني أننا سنظل في دائرة ظلم وقمع لا تنتهي إنما يتبدل فيها الظالمون والقامعون فيها. يعذبني أننا لن نستطيع أن نرنقي كبشر ذات يوم في هذا المجتمع. وسأظل أتعذب داخل هذه الدائرة للأبد؛ لأنني أدرك أنني حتي وإن صار أمثالي الذين يمثلون الأقلية الان أغلبية فسأظل أتألم لأن من سيصير أقلية سيقهر؛ فأنا ضد ألم الإنسان بالظلم والقمع ولست ضد ألمي الشخصي لأنه ألمي. 

               وكل من لا يؤمن بالحرية والمساواة للمختلف عنه وحتي خصمه لا يؤمن بهم حقا. ولا يحق له أن يدعي الدفاع عنهم؛ فهو يدافع عن حقوقه وحرياته، لا يدافع عن العدل، ولا الحرية.

الاثنين، 7 أغسطس 2017

تساؤلات (١٥): هل الإنتاجية معيار نجاح؟

        عندما تحدث مقارنة بين الأفراد المختلفين وحتي الدول المختلفة، تتخذ الإنتاجية معيارا للمقارنة. عندما ينظر المجتمع لشخص ما، ويقيم مكانته الاجتماعية في كثير من المجتمعات يقيمها علي أساس انتاجيته. وعندما يتم النظر ل"نجاح" الدولة، ومقارنته ب"فشل" دول أخري تكون هذه المقارنة قائمة على أساس الإنتاجية العلمية والاقتصادية بغض النظر عن توزيع المنتجات العلمية والاقتصادية، وعن وضع حقوق الإنسان، وحرياته الحقيقية داخل هذه الدول بل إن من يضع معيار الحياة المرفهة، وحقوق الإنسان، وحرياته هو الأكثر إنتاجية.

      لكن هل الإنتاجية معيار النجاح؟ هل الإنتاجية هي القيمة الحقيقية للحياة الإنسانية؟ هل الإنتاجية معيار تفرقة بين الأفراد والدول؟ هل الإنتاجية هدف الحياة والمجتمعات الإنسانية؟ هل الإنتاجية مفيدة دائما أم أنها أحيانا مضرة؟ هل الإنتاجية غاية أم أنها وسيلة؟ هل حقا نحتاج الإنتاجية؟ أليس ممكنا أن تكون قيمة الإنتاجية واحتياجنا لها هي مجرد وهم صنعته الاستهلاكية؟

          تاريخيا، حققت كثير  من الحضارات الإنسانية إنتاجية مرتفعة، لكن لم تكن للإنتاجية ذات القيمة والتقدير، والنظر إليها كمعيار مقارنة إلا في العصور الحديثة. ما قبل الحداثة، كان الدين، والأعراف، والقيم الروحية، والاجتماعية، والتركيب العرقي، والاجتماعي، والأسري هو قوام المقارنة، والتمييز ليس بين الأفراد لكن أيضا بين الشعوب. الإنتاجية لم يكن ينظر لها كهدف. كانت طريقة إشباع للاحتياجات الأساسية، ولتوفير الرفاهية للأعلي مكانة لكنها لم تكن طريقة تعريف الأعلى مكانة.

         هذا الاختلاف التاريخي، لا يحدد ما إذا كانت الإنتاجية معيار النجاح أو مفيدة أو ذات قيمة عظمي أم لا لكنه يجعلنا ندرك أن مكانة الإنتاجية في الثقافات الإنسانية ليست تلقائية؛ إنما هي متغير تاريخي، يستحق أن ونطرح تساؤلات بشأن حقيقة قيمته.

"الحرية مكفولة أكثر من اللازم"

       عندما قال السيسي  أن الحرية مكفولة أكثر من اللازم؛ لم يكن يمزح، ولم يكن يخدع محاوريه الأجانب عن وضع الحرية في مصر؛ إنما كان يعبر عن طريقة تفكير ما هو أكبر من النظام العسكري الحاكم لمصر؛ لقد كان يعبر عن طريقة تفكير مجتمع بأكمله.

      يمكن تحليل هذه العبارة بأن النظام العسكري المصري هو نظام قائم علي فكرة أن هناك قدر من الحرية لازم يستعمل في النقاش داخل الطبقات الأعلي من الحكم، وهنا يكون للحرية دور وظيفي تؤيده بالقدر المطلوب منها، ثم يجب علي من يخضعون للحكم تنفيذه دون اختيار مثل التجنيد الإجباري الذي ليس مسألة خيار فردي بل هو حكم واجب التنفيذ، ولا يمكن لأي شخص الخروج عنه. وتؤمن هذه الطريقة الوظيفية في التفكير بأن الحرية أكثر من اللازم تؤدي (ككل شيء أكثر من اللازم) إلي خروج المرؤسين عن رؤسائهم وعدم تحقيق المنظومة لأهدافها. وأهداف المنظومة ليست في عدم وجود فساد أو تحقيق النجاح علي المستوي الإنساني. هدف المنظومة هو الظهور بشكل ناجح رقميًا وإحصائيًا، والأهم هو الظهور بمظهر الانضباط، وعدم خروج أي مرؤوس عن رؤسائه بشكل محدد. ويري هذا التحليل أن المرؤوسين يخضعون للرئيس بسبب خوفهم الخروج عنه، وبسبب ترهيبهم.

          هذا التحليل السياسي الخارجي ليس تحليلاً خاطئًا؛ إنما هو تحليل ناقص ينظر من منظور واحد. هذا المنظور لا يري دور المجتمع في صياغة أفكار نظمه؛ هذا المنظور يستخف بالمرؤوسين، ويراهم مجرد عبيد جبناء. وهذا المنظور يطمس حقيقة أن أي نظام مهما بلغت درجة تخويفه أو ديكتاتوريته؛ إنما هو مجرد إنعكاس لأفكار غالبية مجتمعه. من يرون أن الشعب المصري غاضب من الوضع الاقتصادي، ولكنه يخاف الخروج علي النظام جاهل لحقيقة رغبة هذا المجتمع، وكون النظام الحالي هو أفضل تطبيق، وانعكاس لطريقة تفكير، ومباديء غالبية المجتمع المصري الذي يؤمن دائمًا أن حرية غيره "أكثر من اللازم."

         غالبية هذا المجتمع تميل لطريقة تفكير أبوية؛ يملك فيها الأب حق إجبار أبنائه علي فعل ما يؤمن به، مهما بلغ عمرهم؛ بل إنهم يرونه يمتلكهم، ويؤمنون أن الملكية هي قوام الحق. من "يمتلك" خادمة أو زوجة يؤمن هذا المجتمع في حقه علي إجبارها أن تفعل ما يريده هو، وأن تكون علي الصورة التي يريدها. من "يمتلك" طلابًا يؤمن المجتمع بحقه أن يجبرهم أن يسمعوه أراءه الشخصية في أوراق إجابتهم. وتؤمن غالبية هذا المجتمع بحق الإله الذي خلق البشر؛ لأنه خلقهم بأن يعذبهم كما يشاء، ويفرض عليهم الأحكام التي يريدها، ويجب أن يخضعوا له، وحقه إن خرجوا عن أحكامه (حتي التافه منها مثل الطعام) أن يعذبهم كما يحلو له؛ لأنه "يمتلكهم."

          وبجانب أصحاب السلطة مثل الأب، والمخدوم، والزوج، والمعلم، والإله، والحاكم؛ فالمجتمع يؤمن بحقوق كل فرد في فرض أفكار المجتمع، والدين بالقوة علي كل فرد خارج عنهم. المجتمع يري أن حق كل فرد أن يوجه المرأة التي تسير في الشارع بملابس "غير لائقة اجتماعيًا أو دينيًا" أن ترتدي ما يريده هذا المجتمع. المجتمع يري أن حق المارين في الشارع أن يضربوا، ويهذبوا أي رجل منظره "شاذ" يسير في الشارع. المجتمع يؤمن بحقه طرد أو التبليغ عن أي امرأة تستضيف رجالاً في منزلها، وهي تعيش وحدها. المجتمع يري أن حقه أن يهذب أي رجل وامرأة يقفون معًا بطريقة "غير لائقة" في الشارع. المجتمع يؤمن بحق المرأة الوسطية أن تؤذي المنتقبة التي تمثل فكرا محافظا أكثر منه.

           ويري المجتمع أن كل من هو أقلية تصطدم مع أعراف الأغلبية يستحق أقصي عقوبة (تصل إلي درجة القتل) لاختلافه. المجتمع يري أن العقوبة الصحيحة للمثلي أو العاملة في الجنس أو الملحد أو الذين يقيمون علاقات جنسية خارج الزواج هو القتل، وهم أول من يؤيدون الدولة في سجنها واغتصابها لهؤلاء، بل يرون أن الإعدام، وليس السجن هو ما يستحقونه. المجتمع يرفض حرية الفرد في تغيير دينه، ويرفض حرية أصحاب الديانات في الزواج بأصحاب الديانات الأخرى، ويرفض الاعتراف بأي صاحب دين غير إبراهيمي. المجتمع لا يعترف بحرية أي شخص يمثل أقلية في فعل ما ينافي أفكار ومعتقدات الأغلبية. المجتمع يؤمن بمنطق الأكثر قوة يفرض قانونه بالقوة علي الأضعف، ويجلد الأضعف لو تجرأ، وخرج عن حكمه.

        عندما أقول المجتمع لا أعني فقط الغالبية المؤمنة ب"الوسطية" المصرية الأصيلة. بعض الملحدين لا يؤمنون بحقوق السلفيين، والمنتقبات. بعض اليسار لا يؤمنون بحقوق الإسلاميين، والإسلاميون لا يؤمنون بحق غيرهم في عدم انطباق نظام فكري لا يؤمنون به عليهم. والمثليون الذين يريدون حقوقهم لا يؤمنون بحقوق العاملون والعاملات في الجنس أو الراغبين في التعدد.

       هذا المجتمع لا يؤمن بالحرية كقيمة مطلقة أو مبدأ انساني؛ هو  أصلا لا يؤمن بالمباديء الإنسانية. هذا المجتمع الذي صنع هذه الدولة القمعية هو مجتمع قمعي يؤمن أن الحرية له لازمة لفرض سلطته لكن حرية الآخر دائما "أكثر من اللازم."



الجمعة، 28 يوليو 2017

تساؤلات (14): هل يجب أن ينزل الإله منهجًا؟ هل الإله حاكم؟ ألا يمكن أن يكون الإله في موقع المحاكم؟

         الحجة الشهيرة لفكرة إتباع الدين هي أنه منهج من الإله، وأن الإله يجب أن ينزل منهجًا دائمًا، وأن الحكمة الإلهية من الخلق هي اختبار البشر، ومدي إتباعهم للمنهج، وفي حالة عدم إنزال المنهج لن يكون الإله عادلاً. لقد تمت مناقشة فكرة الحساب، والاختبار، والجنة والنار في مقالات سابقة من سلسلة تساؤلات يمكن العودة إليها في هذه المدونة.
          السؤال هذه المرة هو هل البشر كلهم في حاجة إلي منهج بصورة الدين أم لا؟ هل يجب أن ينزل الإله منهجًا؟ وهل هذه حكمة من الإله؟ هل الشخص الحكيم في الحياة اليومية للأفراد يذهب لكل شخص يعرفه بغض النظر عن ظروفه، وحياته الشخصية، وينصحه بنصيحة عامة ينصحها لغيره؟ هل الشخص الحكيم في الحياة يعتبر تصرفًا واحدًا صوابًا دائمًا؟ هل ينصح الحكيم شخصًا في مجتمع غربي بالتعدد الزوجي مثل شخص في مجتمع سعودي؟ هل ينصح الحكيم شخصًا في مجتمع أفريقي بارتداء نفس الملابس التي يرتديها شخص أخر في أسيا؟ هل ينصح الحكيم شخًصًا في مجتمع ظروفه حربية دائمة بنفس نصائح شخص في مجتمع حالته دائمًا سلمية؟ هل الشخص الحكيم يكتب رسالة واحدة ويرسل هذه الرسالة لكل البشر في زمنه فقط (لا كل الأزمنة) ويدعي أن كل موقف في الحياة ستطبق فيه هذه الرسالة ستكون حكيمة؟ هل أصلاً أي حكم في الكون عادل في كل المواقف؟ فكرة المنهج قائمة علي وجود مانويل يرسل للبشر ليسيرون عليه، ويكون ملائمًا لكل ظروفهم، وهذه الفكرة تدعو للتساؤل: هل يكون الإله حكيمًا إن أرسل هذا المنهج أصلاً؟ أم يكون سطحيًا، وجاهلاً؟
         إن كان البشر في حاجة إلي مساعدة أوإرشاد؛ ألا يكون من الأحكم أن يرسل لكل شخص في ظروفه الشخصية إرشادات ملائمة له؟ ألا يكون الأحكم أن يخاطب كل شخص وحده بشكل مستقل عن فكرة منهج عام؟ ألا يناسب كل شخص أصلاً طريقة قرب وعلاقة مختلفة مع الإله؟ هل الأفضل أصلاً أن يكون الإله منزلاً لمنهج أم أن يكون صديقًأ مصاحبًا للشخص الواحد في كل موقف، ومعينًا له في كل موقف حياتي يحتاج فيه معونة علي حدي؟
         فكرة المنهج مرتبطة بفكرة الحاكم، وفكرة أن الإله دائمًا في موقف الحاكم الذي يحاسب البشر علي إتباع القانون الذي فرضه أو علي الخروج عليه، وكما ذكرت فقد تمت مناقشة هذه الفكرة من قبل في مقالات لاحقة لكن المهم هنا هو: هل الإله دائمًا في موقف الحاكم (إن كان أصلاً بهذه الصورة) أم أنه يكون كثيرًا في موقف المحاكم من الإنسان في علاقة تبادلية؟ حتي الأديان تدعي أن الإنسان يجب أن يفكر ويتساءل، ويبحث حتي يعرف الدين الصحيح، وهذه هي الحجة التي تستند عليها الأديان (علي الأقل الإبراهيمية) حتي تبرر معاقبة غير المؤمنين بها علي رفضهم لصورة الإله فيها حتي من لم يعرفوا شيئًا عنها. ولكن حتي يختار الشخص بين الأديان المختلفة، ويبحث يجب أن يكون حاكمًا علي صور مختلفة للإله، ويختار بينها، وفي هذه المحاكمة يكون الإله في صورة المحاكم. وسؤال اّخر: ألا يمكن أن يكون الإله دائمًا في موقع المحاكم في علاقة مع الإنسان؟ في العلاقات التبادلية بين البشر يكون الأفراد في موقف متبادل من المحاكمة التبادلية إن أخطأ أحدهم في حق الاّخر أو إذا شك شخص في خطأ الاّخر في حقه، ألا يصح أن تكون العلاقة مع الإله علاقة تبادلية أيضًا؟ لو كانت الإجابة ب"لا" مستندة علي ارتفاع مكانة الإله في العلاقة؛ ففي هذه الحالة سيكون تحرر الإله من موقع المحاكم نتيجة لقوته، ومكانته، لا نتيجة لأي معيار أخلاقي، وإن كان الإله هو من يضع المعايير الأخلاقية؛ فألا يعني ذلك أن الإله ليس إلا  ديكتاتور يضع قواعد، ويلزم بها البشر، ويجبرهم علي إتباعها، ويكتسب الحصانة من المحاكمة حتي بمعاييره من موقف القوة، ومن موقف المشرع؟ هل من يحتمي بالقوة، والمكانة ليتحرر من المحاكمة أخلاقي حتي بمعايير الأخلاق التي تتفق عليها الأديان؟ وهل من يتحرر من المعايير التي وضعها بنفسه هو أخلاقي؟
           ألا يمكن أن يكون الإله هو الأخلاق النبيلة (أو لنستعمل تعبير "القيم")  ذاتها لا واضعها؟ ألا يمكن أن يكون الإله دائمًا في موقف الحاكم، والمحاكم في علاقة تبادلية مع الإنسان؟
   
 

الأحد، 4 يونيو 2017

تساؤلات (13): هل هناك مسار محدد وتلقائي للحياة الفردية؟ وهل المراحل الحياتية تلقائية أم أنها نتاج نظام اجتماعي؟ وهل هي الصواب؟

      أغلب المجتمعات، وبدرجات متفاوتة تفرض علي أفرادها مسارًا محددًا لحياتهم؛ عدد سنوات محدد للدراسة، ثم يخرجون من الدراسة لعدد سنوات محددة من العمل، وتكوين العلاقات العاطفية والزواج، ثم عدد سنوات محدد بعد العمل. في مجتمعنا المصري مثلاً، يتوقع من الفرد أن ينتهي من دراسته في العشرينيات (وبدأت تنتشر صيحة إضافة سنوات أخرى للماجستير والدكتوراة)، ثم يبدأ في العمل، والزواج، ثم تربية الأبناء، ثم دراسة الأبناء، ثم تزويج الأبناء ثم انتهاء العمل، ثم الشيخوخة، والموت.

         هو مسار محدد للحياة، وهو مختلف إلي حد ما (ليس كثيرًا جدًا) عن المسار الغربي للحياة، فقط نستبدل الزواج بالعلاقات العاطفية، ويتغير كثيرًا سن العمل، الاعتماد علي النفس (سن أصغر)، وكثيرًا ما يختار الغربيون عدم الإنجاب لكن في كل الأحوال يوجد مخطط مشابه لمسار الحياة الفردية. ولكن هل هذا المسار تلقائي أم أنه نتاج نظام اجتماعي؟ وهل هو الصواب أصلاً؟

        هل الصواب أن يتحدد سن معينة لكل شيء يفعله الفرد؟ هل الزواج أو العلاقات العاطفية قرينة سن معينة، ويجب القيام بها في مرحلة معينة أو حتي يجب القيام بها أصلاً؟ ألا يمكن أن تغني الصداقات عن العلاقات الأسرية والعاطفية؟ هل يجب أن تكون العلاقات العاطفية الجادة والزواج بعد التعليم؟ هل يجب أن يكون العمل لعدد سنوات معينة حتي الشيخوخة؟ هل يجب أن يعمل الفرد في سن معينة بعد "إتمام" تعليمه؟

          هناك ارتباط أيضًا بين هذه المراحل والعلاقات الإنسانية. فمثلاً في سن الدراسة المبكر تكون العلاقة الأساسية هي العائلة، ثم يصبح الأصدقاء هم العلاقات الأساسية في سن الدراسة الأكبر، ثم يصبح الطرف العاطفي (والأبناء إن وجدوا) هم العلاقات الأساسية في مرحلة ما بعد الدراسة، ويختلف الأمر قليلاً في المجتمعات الغربية حيث تستمر قيمة الأصدقاء إلى حد أكبر بعد إنتهاء الدراسة، وأخيرًا يمكن أن تنتهي العلاقات بعد انتهاء مدة العمل، وزواج الأبناء. لكن هل هذه الصورة المرحلية للعلاقات الإنسانية هي الأخرى تلقائية أو صوابًا حتي؟

           هل من الصواب أن يكون البشر في حياتنا مراحل؟ هل من الصواب أن تكون علاقاتنا مبنية علي الظروف والاحتياجات في كل ظرف؟ هل من الصواب أن تنزوي أهمية بشر عندنا لأن هناك مخطط ثابت يجب أن تسير عليه حياتنا؟ ألا ينبئنا تغيير مكانة البشر في حياتنا، ونظرتنا لهم علي أنهم مراحل أن هناك خطأ ما في "المخطط الثابت" لحياتنا؟

              هل كان هذا المخطط أصلاً موجودًا في كل العصور الزمنية؟ ألم يكن الزواج يتم في سن قبل إتمام الدراسة في زمن ما؟ ألم يكن العمل يتم في سن أصغر نسبيًا؟ ألم يكن مفهوم العلاقات مغايرًا في وقت ما؟ ألا يمكن أن يكون شكل حياتنا ومراحلها مغايرًا؟ ألا يمكن أن نختار مسارًا مختلفًا لحياتنا؟ ألا يمكن أن يكون هذا "المخطط الثابت" خاطئًا أو عبوديًا أو يمنعنا من رؤية رسومات أخرى لمجرى حياتنا؟ ألا يمكن أن يكون شكل علاقتنا في هذه المراحل خطأ؟ ألا يمكن أن تكون جريمة أننا نجعل علاقتنا بالبشر هي الأخرى ترسم كجزء من هذا المخطط؟ ألا يمكن أن يكون ذلك استغلالاً لهم؟ ألا يمكن أن يكون تخلينا عن أفراد مثل أصدقاء المدرسة أو العائلة الأولى، واهتمامنا بأشخاص آخرين لمجرد أنهم جزء من المرحلة التي نقف فيها من المخطط خيانة؟ ألا يمكن أن يكون هذا المخطط مجرد خدعة أو وسيلة من المجتمع لإخضاعنا، وتقرير شكل ثابت لحياتنا، لا نستطيع أن نخرج عليه فنهدد أمنه؟